هل يمكن أن تطعمنا الزراعة دون أن تأكل الغابات؟
د.عبدالعظيم ميرغني
من السهل أن ننظر إلى العلاقة بين الزراعة والغابات باعتبارها علاقة صراع وعداوة:
كلما احتاج الناس إلى مزيد من الغذاء، احتاجوا إلى مزيد من الأرض؛ وكلما تمددت الزراعة، تعرضت الغابات لمزيد من الضغط.
لكن… هل هذه هي الحكاية كلها؟
أظن أن المسألة أكثر تعقيدًا، وربما أكثر إثارة أيضًا.
يبلغ تعداد سكان العالم نحو 8.2 مليار نسمة، ومن المتوقع أن يقترب من حو 9.7 مليار نسمة بحلول 2050. ومع كل إنسان جديد، هناك فم جديد يحتاج إلى الغذاء، واحتياج إضافي إلى الأرض والماء والموارد.
وتشير التقديرات إلى أن زيادة الطلب على الغذاء لإطعام سكان العالم المتزايدين حتى عام 2050 قد تضع نحو 240 مليون فدان من الغابات تحت ضغط التوسع الزراعي.
هنا يبدأ السؤال:
كيف نطعم الناس دون أن نأكل الغابات؟
لفهم هذه المعادلة، علينا أن ننظر إلى أربعة عوامل مترابطة:
عدد السكان، والدخل ونمط الغذاء، والإنتاجية الزراعية، وكفاءة استخدام الأرض.
لنأخذها ببساطة.
أولًا: عدد السكان.
كلما زاد عدد السكان زاد الطلب على الغذاء، وبالتالي قد يزداد الضغط على الأراضي، بما فيها الغابات.
فهل نطلب من الناس أن يتوقفوا عن الإنجاب من أجل حماية الغابات؟
طبعًا لا.
هذا حل لا يصلح، لا دينًا ولا منطقًا!
إذن، علينا أن نبحث عن عامل آخر يمكن أن نتدخل فيه، الدخل ونمط الغذاء مثلاً.
مع ارتفاع دخل الإنسان يتغير نمط استهلاكه عادةً، وتزداد قدرته على تنويع غذائه، فالغني يأكل أكثر من الفقير وتعمر مائدته أكثر بأنواع اللحوم والمنتجات الحيوانية.
وهنا تدخل الغابات في الحساب من باب آخر.
فمن منظور استخدام الأرض، لا تصل الطاقة التي نحصل عليها من الحيوان بالطريقة نفسها التي نحصل بها عليها من النبات مباشرة؛ فالحيوان يحتاج أولًا إلى أعلاف وماء ومساحة، قبل أن يصل جزء من هذه الموارد إلى مائدة الإنسان.
ولهذا يكون إنتاج كثير من الأغذية الحيوانية أكثر طلبًا على الأرض من إنتاج الغذاء النباتي مباشرة.
لكن هل يمكن أن نقول لمليارات البشر:
اتركوا اللحوم وأصبحوا نباتيين من أجل إنقاذ الغابات؟
مرة أخرى… ليس هذا هو الحل.
إذن أين يمكن أن نتدخل؟
هنا نصل إلى العامل الذي أراه الأكثر أهمية وقابلية للتأثير:
الإنتاجية الزراعية.
إذا استطعنا أن ننتج كمية أكبر من الغذاء من وحدة المساحة نفسها، فإننا نستطيع إطعام عدد أكبر من الناس دون الحاجة بالضرورة إلى فتح أراضٍ جديدة على حساب الغابات.
وهذه ليست فكرة نظرية.
فقد ارتفعت إنتاجية كثير من المحاصيل في العالم، وأسهم ذلك، في بعض الحالات، في الحد من الحاجة إلى التوسع الزراعي.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:
قد تكون زيادة إنتاجية الفدان وسيلة لحماية الغابة، أكثر من مجرد مطالبة الناس بعدم قطعها.
ثم تأتي كفاءة استخدام الأرض.
فليست المسألة فقط كم ننتج من الفدان، وإنما أيضًا: أين نزرع؟ وما الأرض التي نتركها للغابات والمراعي والمياه؟ وكيف نمنع التوسع الزراعي من الوصول إلى المناطق الأكثر أهمية بيئيًا؟
وهنا تتحول المسألة من مجرد إنتاج أكثر، إلى إدارة أفضل للأرض.
لكن… هناك شرط مهم.
فالأرض التي نوفرها بزيادة الإنتاجية لا تعود تلقائيًا إلى الغابة.
قد تتحول إلى عمران، أو طرق، أو استخدامات أخرى، أو تعود مرة أخرى إلى الزراعة.
إذن فرفع الإنتاجية هو الخطوة الأولى، أما حماية الأرض التي تم توفيرها وإعادة تأهيلها، فهي الخطوة الثانية.
هنا تعود بي الذاكرة إلى فكرة الفراشة التي تناولتها في مقال سابق.
فالفكرة ليست أن فراشة صغيرة ستطير فوق الغابة، ثم تضرب بجناحيها فتقرر الغابة فجأة أن تنجو!
الفكرة أعمق من ذلك: التغيير الكبير قد يبدأ من تغيير صغير في المعادلة.
قد تبدأ حماية الغابة من مزارع ينتج من فدانه ضعف ما كان ينتجه من قبل، فلا يحتاج إلى فدان جديد.
وهكذا نكتشف أن القضية ليست:
زراعة أم غابات؟
بل:
كيف نجعل الزراعة والغابات جزءًا من الحل نفسه؟
المشكلة تبدأ عندما تصبح زيادة الغذاء مرهونة دائمًا بزيادة مساحة الأرض المزروعة، وعندما يكون أسهل طريق لزيادة الإنتاج هو إزالة الغابة.
فبدلًا من:
زراعة ضد غابات
يمكن أن تصبح:
زراعة تحمي الغابات…
وغابات تحمي مستقبل الزراعة.
ففي النهاية، لا زراعة مستدامة بلا أرض سليمة، ولا أرض سليمة بلا غابات تؤدي وظائفها البيئية، ولا مستقبل للإنسان إذا ظل يطعم حاضره من حساب مستقبله.


