في كتابه “تاريخ الخرطوم”، وثق العالم والمؤرخ الكبير الدكتور محمد ابراهيم أبو سليم للجهود الجبارة التي بذلها الرواد الأوائل من الوطنيين السودانيين والإداريين الإنجليز في غرس أشجار العاصممة الخرطوم قبل حوالى القرن وربع القرن من الزمان. وثق لمعاناتهم ولمبلغ الجهد والوقت والعرق والمال والمعاناة النفسية التي تكبدوها في سبيل استجلاب بذور وشتول هذه الأشجار من على بعد آلاف الأميال، من مصر ومن الهند، ولتنشئتها وتعهدها بالرعاية والحماية والسقيا، ولمعاودة غرسها مراراً وتكراراً كلما تعرضت للموت بسبب آفة أو كارثة طبيعية؛ فعلوا ذلك بالرغم من أنهم كانوا يعرفون سلفاً أنهم سوف لن يعيشوا طويلاً ليستظلوا بظلها أو يستمتعوا بقيمها الجمالية وينتفعوا بخدماتها.
يقول أستاذنا أبو سليم: “كان أول عهد شوارع الخرطوم بالأشجار، أشجار اللبخ التي غرست في أربعة صفوف على طرفي شارع الخديوي- شارع الجامعة حالياً – ما بين كلية غردون التذكارية ومبنى المديرية. وقد نبتت هذه الأشجار ببطء شديد ومات منها عدد كبير. ثم استجلب كتشنر ألف شجرة من الجميز من مصر، وزرعها في حديقة القصر. ولكنها ماتت ولم يبق منها إلا شجرة واحدة تركت لتنمو في الحديقة ذكرى لغارسها. وقد استجلب القوم بعد ذلك أنواعاً أخرى من الأشجار لتظلل بها شوارع الخرطوم. وقد عانى القائمون بأمرها صنوفاً من العراقيل، فأغنام الأهالي التي كانت تمرح في المدينة كما تمرح الأبقار في شوارع الهند كانت تقضي على الأشجار وهي صغيرة. ولما لم يكن من السهل إيقافها، فقد أحاط المسؤولون هذه الأشجار بسياجٍ من جرائد النخل يصنعها ضعاف المساجين اتقاءً لشر الغنم. وكانت هناك أهوية عارمة وأعاصير تهب على المدينة وتقضي على الأشجار وخاصة الناجحة منها. وكأني بهذه الأهوية تقصد من أشجار الشوارع ما تنجو من الغنم وتختار أنجحها وأكبرها. وقد هبت عاصفة هوجاء في أغسطس 1906، وقضت على معظم الأشجار في المدينة، وأصابت القوم بخيبة عظيمة. وفي نفس السنة، وفد الجراد وقضى على أشجار اللبخ التي زرعت على أطراف شارعي السردار وفيكتوريا (شارعي الجمهورية والقصر). وكان هناك النمل الأبيض وهو عدو لئيم لا يقل خطورة عن الجراد أو الغنم. على أن العقبة الكبرى كانت رداءة التربة وقسوة الجو وقلة الخبرة وقد تمكن القوم من اجتياز هذه العقبات شيئاً فشيئا، وعرفوا الأشجار التي تصلح لشوارع الخرطوم وتوائم طقسها. وقد رتب المسؤولون ثلاث نساء ليقمن بالسقيا، ثم حصلوا في سنة 1907م على عربة تجرها الحيوانات تحمل الماء للأشجار.
الشارع نفسه مقسم الى أقسام، ففي الوسط يكون أصل الشارع الذي يمر به الراكبون. وهو يبلغ ثلث الشارع. وهو الذي صار الآن للعربات. وقد رصف هذا القسم بالحجر، إذا كان شارعاً رئيسياً. ويأتي على طرفي هذا القسم ممران، يكون كل منهما ثلث الطريق، وقد اعدا لغير الراكبين. ثم يأتي من وراء ذلك صف من الأشجار أو صفان، إذا كان الشارع مهما مثل شارع فيكتوريا (شارع القصر)”… إنتهى حديث العلامة أبو سليم.
وبالأمس كتب السفير خالد محمد فرح مقالة بعنوان “درس لشارع النيل من الشانزليزيه”، استعرض فيها جهود رصف وتشجير شارع النيل في ذلك الزمان الغابر، ونعى فيها حال هذا الشارع الآن، وتحسر على ماضيه حينما كانت تظلله أشجاره الفيحاء وكان يعد أجمل شوارع العالم على الإطلاق. ومن بين كل شوارع عواصم الدنيا شبه سعادة السفير شارع النيل بشارع الشانزايزية الشهير في باريس، من حيث الطول وما كان عليه من خضرة، وأوضح الفارق الجوهري بين الشارعين الآن، بعد أن أصاب شارع النيل ما أصابه من موت وجفاف أشجاره، وأبدى مخاوفه من إختفاء كل أشجاره في بضع سنين إن لم يتم تلافي الوضع بخطة إسعافية عاجلة، تتبعها إستراتيجية محكمة للمحافظة على أشجاره وتشجيره.
لقد إستفزني أنا شخصياً (عبدالعظيم ميرغني) موضوع “درس شارع النيل”، كما استفز بعضاً ممن تواصلت معهم حوله، ذلك لأنني على المستوى الشخصي كنت قد إستهللت كتابي “شدرة .. شدرتين .. وغابة” الذي نوشك على تدشينه بمقولة: “أكثر من الكلام دون عمل، واكتف بالنقد دون بذل، ولا تعجب إذا كانت النتيجة صفراً؛ فإن الكلام لاينبت الشجر”. وأخذ البعض ممن إستفزهم الدرس الأمر على محمل “إِذَا القَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتَىً خِلْتُ أنَّنِـي عُنِيْـتُ فَلَمْ أَكْسَـلْ وَلَمْ أَتَبَلَّـد”، فعقدنا العزم معا على أن نقرن القول بالعمل لتعود لشارع النيل “خضرته المدهامة وظلاله الفينانة ونسائم العليلة المنعشة” كما يأمل سعادة السفير، ليعود أجمل من الشانزليزيه بتوفيق الله. هذه دعوة لعموم مرحبا الخضرة قد طرحتها على بعض الزملاء لبلورة الفكرة والانخراط في تنفيذها بالتعاون مع بعض الجهات الرسمية وغير الرسمية التي باركت الفكرة من حيث المبدا.


