الغابات… الغائب الأكبر في معادلة الأمن المائي

بعض الكتب لا تضيف معلومة فحسب، بل تعيد تشكيل طريقة تفكيرنا.

الغابات… الغائب الأكبر في معادلة الأمن المائي

د.عبدالعظيم ميرغني

بعض الكتب لا تضيف معلومة فحسب، بل تعيد تشكيل طريقة تفكيرنا.

ومن هذا النوع يأتي كتاب “الأمن المائي السوداني وحوض النيل” للبروفيسور سيف الدين حمد، الذي يوثق خبرة أحد أبرز الذين شاركوا في إدارة ملف مياه النيل وصناعة القرار المائي في السودان.

فالكتاب شهادة خبير عاش التجربة، لا رواية ناقل.

يقع الكتاب في ستة فصول مدعومة بالخرائط والجداول والبيانات، ويجمع بين التحليل العلمي، والخبرة العملية، والرؤية القانونية والتفاوضية، مقدمًا معالجة متكاملة لقضايا المياه في السودان وحوض النيل.

وتكشف بياناته أن أكثر من 90% من المياه المستخدمة في السودان تذهب إلى القطاع الزراعي، وأن إمكانات التوسع في الزراعة المروية ما تزال كبيرة، في وقت يتزايد فيه الطلب على المياه بوتيرة تفوق قدرات التخزين الحالية.

وتؤكد هذه المؤشرات أن التحدي الحقيقي لم يعد في وفرة المياه وحدها، بل في كفاءة إدارتها وتعظيم إنتاجية كل متر مكعب منها.

غير أن سؤالًا ظل يرافقني طوال القراءة: أين الغابات في معادلة الأمن المائي؟

فالمياه مورد طبيعي، أما الأمن المائي فهو نتاج نظام بيئي متكامل.

لقد قدّم الكتاب معالجة متميزة للجوانب الهندسية، والقانونية، والسياسية، والاقتصادية للأمن المائي، غير أن الدور الذي تؤديه الغابات والنظم البيئية في حماية الموارد المائية واستدامتها لم يحظ بالمساحة التي يستحقها.

ولعل هذه الملاحظة لا تخص هذا الكتاب وحده، بل تعكس نهجًا ظل حاضرًا في إدارة ملف مياه النيل لعقود؛ إذ غلبت المقاربة الهيدرولوجية والهندسية والقانونية، بينما بقي البعد البيئي في مرتبة ثانوية. ونتيجة لذلك، لم تحظ الغابات النيلية، والأراضي الرطبة، والخدمات البيئية، بما تستحقه من حضور في التفكير والتخطيط، رغم أنها تمثل ركائز أساسية لاستدامة المورد المائي.

والغابات ليست مجرد غطاء نباتي، بل هي بنية تحتية طبيعية للمياه.

وتبرز هذه الحقيقة بوضوح في الهضبة الإثيوبية وأعالي النيل والغابات النيلية على طول مجراه، حيث تسهم الغابات في الحد من وصول الطمي إلى السدود والخزانات، والمحافظة على سعتها وكفاءتها التخزينية، وتعزيز تغذية المياه الجوفية، وتحسين نوعية المياه، قبل أن تصل إلى السدود.

فالمياه لا تبدأ عند السدود، بل في أعالي الأحواض، حيث تتشكل دورة الماء وتتحدد استدامة المورد المائي.

وتؤكد الدراسات العلمية أن إزالة 1% فقط من الغطاء الغابي قد تؤدي إلى زيادة الجريان السطحي بنحو 1.9%، وارتفاع الحمولة الرسوبية بنحو 8.7%، بينما يمكن للغابات أن تخفض التعرية بنسبة تصل إلى 18%. وهي أرقام تؤكد أن حماية الغابات ليست قضية بيئية فحسب، بل استثمار مباشر في الأمن المائي.

ومن هنا، فإن الأمن المائي لا تصنعه السدود وحدها، ولا الاتفاقيات وحدها، ولا كفاءة الري وحدها، بل تصنعه أيضًا الغابات.

إن التحول الحقيقي في مفهوم الأمن المائي يبدأ بالانتقال من إدارة المياه إلى إدارة الأحواض المائية بوصفها منظومة متكاملة تتفاعل فيها المياه، والغابات، والتربة، والتنوع الحيوي، والإنسان.

لقد قدّم البروفيسور سيف الدين حمد مرجعًا مهمًا في إدارة الموارد المائية، وأدى بذلك واجبًا علميًا ووطنيًا يستحق كل التقدير.

وإذا كانت هذه القراءة قد توقفت عند البعد البيئي، فإنها لا تنتقص من قيمة الكتاب، بل تدعو إلى توسيع مفهوم الأمن المائي ليشمل إدارة النظم البيئية التي تنتج المياه وتحافظ عليها، جنبًا إلى جنب مع إدارة الموارد المائية نفسها.

فالسدود تخزن المياه… أما الغابات فتصنع شروط بقائها.

ومن أراد أمنًا مائيًا مستدامًا، فعليه أن يبدأ من الغابة قبل أن يصل إلى السد.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English