الخبراء يضعون الأصابع على الجرح الوطني: “التعاونيات هي الترياق الأخير لإنقاذ الريف السوداني وبناء السلام”

✍🏻 تقرير: مهيرة حسن
في ليلة صحفية وفكرية استثنائية تجاوزت حدود الجغرافيا والمسافات، وتحت مظلة فضاء “الزوم” الرقمي، تداعى عشرات الخبراء، الأكاديميين، وصنّاع القرار في تظاهرة وطنية نارية بالتزامن مع اليوم العالمي للتعاونيات واليوم العالمي للتنمية الريفية. الورشة الحاشدة التي حملت عنوان “التعاونيات…بوابة تنمية الريف وبناء السلام” لم تكن مجرد فعالية بروتوكولية عابرة، بل تحولت إلى منصة للمكاشفة والمواجهة، واضعةً النقاط فوق الحروف حول السؤال الوجودي الحرج: كيف ننبش السلام من رحم الأرض السودانية بعد سنوات من الحرب والرماد؟
صدمة الحقيقة: ريفٌ ينزف وأرضٌ تنتظر القرار
افتتحت الورشة بكلمات ومضامين حاسمة وضعت الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية؛ فلم يعد الترف الفكري مقبولاً في بلدٍ يواجه تحديات النزوح والتشظي الاقتصادي والاجتماعي. الرسالة كانت واضحة وصادمة: “إن إعادة الإعمار لا تعني رصف الطرق الإسفلتية الفوقية، بل تعني إعادة إعمار الثقة المفقودة بين الناس، وإحياء الاقتصاد المحلي من القاع.”
وقد تواثق المشاركون على أن التزامن بين شعاري الأمم المتحدة لهذا العام “التعاونيات من أجل عالم مسالم” و”تغيير العالم يبدأ بتمكين الريف” هو إشارة صريحة إلى أن بوصلة الحل السوداني يجب أن تتجه فوراً إلى القرية، إلى الحقل، وإلى الجمعيات التعاونية القاعدية حيث يلتقي الإنسان بالأرض والعمل بالأمل.
منصة الحوار الملتهبة: عقول وطنية تفكك طلاسم الأزمة
أدار الجلسة باقتدار ووعي إستراتيجي حاد الدكتور فخر الدين عوض حسن عبد العال (مؤسس حركة السودان الأخضر)، والذي أطلق صرخة داوية تنادي بضرورة تحويل الحركة التعاونية من مجرد “دكان لتوفير السلع” إلى مشروع سيادي وطني يحقق “السيادة الغذائية” كخط دفاع أول ضد الجوع والتبعية والنزاع.
وفي ورقة علمية اتسمت بالجرأة والعمق، قاد الدكتور عيسى محمد عبد اللطيف (خبير الإيكولوجيا والتنمية المستدامة) مبضع الجراح لتفكيك أزمة الحكم المحلي، مؤكداً أن الاستقرار لن يتحقق إلا بـ “بناء قاعدي حقيقي للحكم المحلي وإدارة رشيدة للموارد“، متسائلاً مع الجمهور عن كيفية قطع دابر الصورية والشكليّة في إشراك المواطنين بصناعة القرار.
أما قضية “الأرض” الملغومة، فقد فجرت نقاشاتها الأستاذة خالدة أبوزيد (منظمة سوا سودان)، والتي واجهت المعضلة التاريخية الأكثر تعقيداً في السودان: الصدام المستمر بين الحيازات العرفية والتقليدية والقوانين الرسمية للدولة. وطرحت أ. خالدة “النهج التشاركي” كطوق نجاة وحيد يضمن توازناً يحفظ حقوق الأهالي التاريخية ويفتح الباب في آنٍ واحد للاستثمار المسؤول دون إشعال فتن جديدة.
د.العتيبي واستاذة مها محجوب يرسمان خارطة الطريق العاجلة
ولم تقف الإثارة عند الأوراق الرئيسية، بل اشتعلت المنصة الرقمية بمداخلات نارية من عيار ثقيل؛ حيث تدخل الدكتور العتيبي برؤية مؤسسية صارمة طالبت بإنهاء العشوائية وضمان “المؤسسية” عبر نقل وإستيعاب التجارب التعاونية الإقليمية والدولية الناجحة وتكييفها فوراً لمقاومة الأزمات والصدمات الاقتصادية.
فيما فجرت الدكتورة الشفا قضية “الوعي المعرفي“، داعيةً إلى ثورة تدريبية وأكاديمية عاجلة تتجاوز النخب الصالونية، وتستهدف ابتكار مناهج ميدانية مبسطة ومباشرة لتمكين المرأة الريفية والشباب في الولايات، باعتبارهم الترس الحقيقي لإدارة المال والقرار في الجمعيات الناشئة.
تحالف الخضر: قوى المجتمع المدني ترفع راية التحدي
الحدث لم يكن مجرد تنظير، بل شهد اصطفافاً تاريخياً لشبكة من أقوى المنظمات والمبادرات الوطنية الراعية: (إعلاميون من أجل البيئة، الجمعية السودانية لحماية البيئة، حركة السودان الأخضر، منظمة بيئتي، منظمة سوا سودان، منظمة كلنا السودان للتنمية المستدامة، منظمة التوازن البيئي، مبادرة بيننا أخضر، وجمعية أصحاب المشاتل والزهور السودانية). هذا التحالف أعلن بوضوح تحوله إلى “شبكة طوارئ تنفذية” تتقاسم الأدوار على الأرض لإنقاذ الريف السوداني
توصيات بطعم “أمر التنفيذ”
لملمت الورشة شتات النقاشات لتخرج بحزمة توصيات نارية قابلة للتطبيق الفوري:
تأسيس مجالس مرنة فورية في المحليات لتوثيق الحيازات العرفية وفض نزاعات الأرض تشاركياً.
إطلاق “حاضنات التعاونيات الأخضر” و”أكاديمية التدريب الميداني” لبناء قدرات القيادات النسائية والشبابية بتمويل وتوجيه من المنظمات الشريكة.
تحويل بوصلة الدعم الإنساني الدولي من “الإغاثة المؤقتة” إلى تمويل أصول الإنتاج المستدام (الطاقة الشمسية، بذور، شبكات ري) للوصول التام للسيادة الغذائية.
انتهت ليلة “الزوم” الصاخبة، لكن الحاضرين أرسلوا إشارات واضحة لكل من يهمه الأمر: إن قطار بناء السودان الجديد قد تحرك بالفعل، ومحطته الأولى والنائية.. هي الريف.
لمشاهدة التسجيل :


