مأساة الدندر: من البلبصة إلى الاعتداء المسلح

د.عبدالعظيم ميرعني
يروي العم عوض لطفي، أحد قدامى خبراء غابات السودان، قصة تعود إلى أربعينيات القرن الماضي، تبدو كأنها تُحكى اليوم.
في جولة رافق فيها العم عوض رئيسه العم سليمان محمد أحمد والمستر كبلينك، كبير مسؤولي غابات سنار آنذاك، داخل حظيرة الدندر القومية.
وأثناء عبورهم إحدى مناطق الحظيرة، اعترضت طريقهم أعداد كبيرة من الجواميس البرية، فتوقف الركب انتظاراً لعبورها.
عندها طلب حارس الحظيرة المرافق للمجموعة من المستر كبلينك أن يواصل سيره دون تردد، مؤكداً أن الحيوانات لن تنزعج منه.
استغرب العم سليمان هذا التصرف وسأل الحارس مستنكراً: “ما هذه البلبصة يا بني؟”.
فجاء الرد بسيط العبارة، عميق الدلالة: “لأن الخواجات لا يؤذون الحيوانات داخل المنطقة المقفولة ويلتزمون بقوانينها، لذلك فهي لا تخشاهم.”
هذه ليست مجرد حكاية طريفة من زمن مضى، بل شهادة تاريخية تختصر طبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة.
فالحيوانات لا تميز بين الجنسيات ولا تفرق بين أبيض وأسود، لكنها تدرك بالفطرة من يحترم وجودها ومن يشكل خطراً عليها.
ولذلك لم تكن الجواميس تخشى أولئك الذين التزموا بحمايتها، بينما تعلمت أن تحذر ممن اعتادوا انتهاك حرمة البيئة وقوانينها.
كانت الدندر يوماً واحدة من أعظم التجارب الأفريقية في حماية الحياة البرية.
لم تكن مجرد حظيرة قومية مرسومة على الخرائط، بل منظومة بيئية متكاملة تمتد عبر المراعي الموسمية وممرات الهجرة ومصادر المياه والغابات المفتوحة.
ولأجل حماية هذه المنظومة، التي أُنشئت عام 1935، وأُلحقت بها منطقة الرهد المحجوزة عام 1939 لتكون منطقة عازلة وامتداداً طبيعياً للحظيرة، بما يضمن استمرار حركة الحيوانات البرية وتكاثرها وبقاء موائلها الطبيعية خلال مواسم التغير البيئي.
لقد فهم المخططون آنذاك حقيقة بيئية بسيطة: لا يمكن حماية الحيوانات داخل حدود محمية إذا كانت احتياجاتها الحيوية تمتد خارج تلك الحدود.
فالحياة البرية لا تعترف بالخطوط المرسومة على الورق، وإنما تتبع الماء والعشب وإيقاع الطبيعة.
لكن ما بُني خلال عقود طويلة بدأ يتآكل خلال العقود الأخيرة.
فقد أُضعفت الحماية القانونية للمناطق العازلة، وتراجعت أولويات المحافظة على البيئة أمام ضغوط الاستثمار والتوسع الزراعي، وتقلصت المساحات التي كانت تمثل شريان الحياة للحظيرة.
فتم رفع الحماية عن منطقة الرهد، ومع مرور الوقت تحولت الحظيرة نفسها إلى ساحة تنافس ونزاع على الأرض والموارد كما هو حاصل حالياً.
والأخطر أن الاعتداءات لم تعد تستهدف الحياة البرية وحدها، بل طالت حتى من نذروا أنفسهم لحمايتها.
فقد استشهد سبعة من أفراد قوات حرس الصيد أثناء أداء واجبهم مؤخراً، في حادث مؤلم يكشف حجم التحديات التي تواجه مؤسسات الحماية البيئية في السودان، ويؤكد أن معركة الحفاظ على الثروة الطبيعية أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
إن قضية الدندر ليست قضية بيئية فحسب، بل قضية وطنية بامتياز.
فالمحميات الطبيعية ليست أراضي معطلة تنتظر من يستثمرها، وإنما أصول استراتيجية تحفظ التوازن البيئي، وتحمي التنوع الحيوي، وتوفر فرصاً واعدة للسياحة البيئية والبحث العلمي والتنمية المستدامة.
إن إنقاذ الدندر يبدأ بالاعتراف بأن ما يحدث ليس قدراً محتوماً.
المطلوب إعادة الاعتبار للمناطق العازلة، وتعزيز سلطات الحماية البيئية، وإنفاذ القوانين على الجميع دون استثناء، وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد الطبيعية، وربط التنمية بالحفاظ على البيئة لا بتدميرها.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن أن تستعيد الدندر مكانتها كمحمية للحياة لا ساحة للصراع، أم أن ما فُقد من الدندر لم يعد قابلاً للاسترداد؟


