إلى أن يأمن الجميع… والسودانيون يكتبون ملحمة الإنسانية
في اليوم العالمي للاجئين، لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات جامدة، بل تتحول إلى وجوه وأسماء وذكريات وبيوت هُدمت، وأحلام توقفت على قارعة الحرب
إلى أن يأمن الجميع… والسودانيون يكتبون ملحمة الإنسانية
د. جلال محمد يسن
بالأمس، الموافق 20 يونيو، احتفل العالم باليوم العالمي للاجئين تحت شعار: “إلى أن يأمن الجميع”. وبينما إنشغل العالم بإستذكار معاناة ملايين اللاجئين والنازحين، كان السودان حاضراً في قلب المشهد بوصفه أكبر أزمة نزوح قسري في العالم اليوم. غير أن هذه المناسبة لا تدعونا إلى إستعراض الأرقام فحسب، بل إلى التأمل في الوجه الآخر للأزمة؛ وجه الإنسان السوداني الذي واجه المحنة بقيم التكافل والتراحم والتعاضد، فكتب، وسط الألم، واحدة من أصدق ملاحم الإنسانية.
لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات جامدة، بل تتحول إلى وجوه وأسماء وذكريات وبيوت هُدمت، وأحلام توقفت على قارعة الحرب. وفي قلب هذه المأساة يقف السودان، الذي أصبح اليوم أكبر أزمة نزوح في العالم، بعد أن شُرّد الملايين بين نازح داخل وطنه ولاجئ عبر الحدود، باحثين عن شيء واحد فقط… الأمان.
لكن، وسط هذا المشهد القاسي، ظهرت صورة أخرى لا تقل أهمية عن صورة المعاناة؛ إنها صورة الإنسان السوداني وهو ينتصر لقيمه قبل أن ينتصر لظروفه.
ففي المدن والقرى، لم ينتظر الناس المؤسسات ولا القرارات الدولية، بل تحركت الضمائر. انتشرت التكايا والمطابخ الإنسانية، وتسابقت الأيدي لإعداد الطعام وإيواء الأسر وتقديم الدواء والكساء، دون سؤال عن القبيلة أو الجهة أو الانتماء السياسي. لقد أعادت هذه المبادرات تعريف معنى التكافل الاجتماعي، وأثبتت أن المجتمع السوداني ما زال يحتفظ بمخزون أخلاقي عظيم، مهما اشتدت المحن.
كما فتحت مئات القرى أبوابها لاستقبال النازحين، وتقاسمت معهم الماء والطعام والمأوى، رغم محدودية الإمكانات. ولم يكن المشهد أقل إنسانية في الدول الشقيقة والصديقة التي استقبلت ملايين السودانيين، ووفرت لهم الملاذ الآمن، في موقف يستحق كل التقدير والامتنان.
لقد كشفت الحرب عن أسوأ ما يمكن أن يصنعه الصراع، لكنها كشفت أيضاً عن أجمل ما يمكن أن يصنعه الإنسان. وبين الركام برز آلاف المتطوعين والخيرين، يعملون بصمت، بعيداً عن الأضواء، يحملون رسالة مفادها أن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بالقيم والرحمة والتضامن.
غير أن استمرار هذا الواقع لا يمكن أن يكون قدراً دائماً. فالمساعدات الإنسانية، على أهميتها، ليست بديلاً عن السلام، والتكايا ليست بديلاً عن الاقتصاد المنتج، ومخيمات النزوح ليست بديلاً عن القرى والمدن الآمنة. لذلك فإن المستقبل الذي يستحقه السودانيون يبدأ بوقف الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم عودة طوعية وآمنة وكريمة.
ولعل أهم الدروس التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج الأزمة، أن السودان يمتلك ثروة لا تُقاس بالذهب ولا بالأرض، وإنما بالإنسان السوداني نفسه؛ ذلك الإنسان الذي أثبت في أصعب الظروف أنه قادر على أن يتشارك اللقمة، ويؤوي الغريب، ويصنع الأمل من قلب الألم.
في اليوم العالمي للاجئين، نستذكر معاناة الملايين، لكننا نستذكر أيضاً قيم السودان التي لم تهزمها الحرب. ونؤمن بأن هذا الشعب، الذي استطاع أن يحافظ على إنسانيته في زمن القسوة، قادر على أن يصنع مستقبلاً أكثر عدلاً واستقراراً، إذا توفرت له فرصة السلام، وحُسن الإدارة، وإرادة البناء.
إلى أن يأمن الجميع… سيبقى الأمل أكبر من الحرب، وستظل إنسانية السودانيين هي الجسر الذي يعبرون به نحو وطن يتسع للجميع.
ابقوا الصمود


