صادراتنا في مهب التحولات البيئية العالمية

لم يعد العالم ينظر إلى حماية البيئة باعتبارها التزاماً طوعياً أو مسؤولية أخلاقية فحسب، بل أصبح يتعامل معها بوصفها شرطاً أساسياً للوصول إلى الأسواق الدولية. 

صادراتنا في مهب التحولات البيئية العالمية

د.عبدالعظيم ميرغني ابراهيم

 

لم يعد العالم ينظر إلى حماية البيئة باعتبارها التزاماً طوعياً أو مسؤولية أخلاقية فحسب، بل أصبح يتعامل معها بوصفها شرطاً أساسياً للوصول إلى الأسواق الدولية.

ومعايير الجودة التقليدية، مثل الخلو من الآفات ونسب الرطوبة والسعر التنافسي، لم تعد وحدها كافية لضمان نفاذ المنتجات إلى الأسواق العالمية.

فالعالم اليوم،بات يطرح سؤالاً جديداً: من أين جاء هذا المنتج؟ وهل تم إنتاجه على حساب الغابات والبيئة؟ وأصبحت القضايا البيئية جزءاً أصيلاً من قواعد التجارة الدولية.

ويبرز في هذا السياق ما يعرف باللائحة الأوروبية لمنع إزالة الغابات (EUDR)، التي تشترط على المستوردين إثبات أن عدداً من السلع الرئيسية، مثل البن والكاكاو وزيت النخيل وفول الصويا والأخشاب، لم تُنتج في أراضٍ تعرضت لإزالة الغابات بعد يونيو 2023

وبذلك لم تعد الشهادة الصحية أو المواصفات الفنية وحدها كافية، بل أصبح المنتج بحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ«شهادة منشأ بيئية» تثبت استدامة إنتاجه.

وفي هذا السياق يمتلك السودان فرصة استثنائية. فالصمغ العربي، الذي يُعد من أهم صادرات البلاد، ليس منتجاً مرتبطاً بإزالة الغابات، بل هو ثمرة أشجار الهشاب والطلح التي تسهم في حماية البيئة ومكافحة التصحر وتحسين خصوبة التربة واستدامة الإنتاج الزراعي.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في طبيعة المنتج نفسه، بل في القدرة على إثبات هذه الحقيقة للعالم عبر أنظمة حديثة للتوثيق والتتبع.

وهنا تبرز أهمية نظم المعلومات الجغرافية والتتبع الرقمي لإثبات استدامة مناطق الإنتاج وضمان شفافية سلسلة الإمداد، بما يحمي الصمغ السوداني ويعزز قيمته في الأسواق العالمية.

ويمتلك السودان أيضاً ميزة إضافية تتمثل في نظام الزراعة الغابية التقليدي الذي يجمع بين الأشجار والمحاصيل الزراعية في منظومة إنتاجية واحدة.

وهو نظام ظل يُمارس في السودان منذ مئات السنين بزراعة أشجار الهشاب بالتزامن مع المحاصيل الزراعية.

 وهذا النموذج لا يحافظ على الغطاء الشجري فحسب، بل يعزز الإنتاج الزراعي ويخزن الكربون ويسهم في التكيف مع التغيرات المناخية، مما يجعله نموذجاً عالمياً للاستدامة يمكن تحويله إلى ميزة تنافسية حقيقية في الأسواق الدولية.

ولكي يستفيد السودان من هذه الفرصة، فإن الأمر يتطلب مواءمة التشريعات الوطنية مع المتطلبات البيئية العالمية، وتطوير نظم التتبع والتوثيق، وحماية هوية المنتجات الوطنية عبر تسجيلها كمؤشرات جغرافية معتمدة.

إن الامتثال للمعايير البيئية الجديدة ليس عبئاً على الصادرات السودانية، بل فرصة لتعظيم قيمة منتجاتها. فالصمغ العربي ليس مجرد سلعة، بل خدمة بيئية تسهم في حماية المناخ ومكافحة التصحر وتستحق عائداً أعلى.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English