السودان تحت ثلاث محاصرات: المناخ، والتصحر، والحرب، وضحيتها الإنسان
في اليوم الذي يقول فيه الكوكب: اعمل الآن... في الخامس من يونيو 2026، يرفع العالم شعاره للبيئة صارخاً: "العمل للمناخ اليوم" لا غداً
السودان تحت ثلاث محاصرات: المناخ، والتصحر، والحرب، وضحيتها الإنسان

بقلم طلعت دفع الله عبد الماجد
في اليوم الذي يقول فيه الكوكب: اعمل الآن…
في الخامس من يونيو 2026، يرفع العالم شعاره للبيئة صارخاً: “العمل للمناخ اليوم” لا غداً، لا في مؤتمر قادم، لا في بروتوكول لم يُوقَّع بعد. اليوم. والكوكب لا يُجادل ولا يفاوض؛ يرسل إشاراته بارتفاع البحار وحرائق الغابات وموجات الحر وذوبان الجليد وينتظر من يُجيب.
لكن ثمة بقعة على هذه الأرض لا تنتظر الإشارات، لأن الكارثة فيها لم تعد إشارة بل واقع يُعاش لحظةً بلحظة. السودان اليوم لا يحتاج إلى تقارير المناخ ليعرف أن شيئاً عميقاً قد تحطّم؛ يكفيه أن يرى حقوله المهجورة، وقطعانه النافقة، ومدنه المحترقة، ونازحيه العشرة الملايين الذين فرّوا من حرب فوجدوا أمامهم صحراء، ومن صحراء فوجدوا أمامهم حرباً.
حين يدعو العالم إلى “العمل للمناخ اليوم”، فإن السودان يصرخ: نحن لسنا في مرحلة الدعوة، نحن في مرحلة الاحتراق. ثلاث محاصرات تلتهم البلاد في آنٍ واحد المناخ يُجفّف الأرض، والتصحر يبتلع ما تبقّى، والحرب تُحرق الباقي وضحيتها إنسانٌ لم يُخطئ في حق أرضه، لكن الأرض والحرب والعالم جميعاً أخطأوا في حقه. إن كان شعار هذا العام يعني شيئاً، فليبدأ معناه الحقيقي من هنا.
يقف السودان اليوم في قلب عاصفة من الأزمات المتشابكة، لم يشهد لها تاريخه الحديث مثيلاً. تغيّرٌ مناخي يلتهم الأرض بصمت، وتصحّرٌ يزحف كالطاغوت جنوباً، وحربٌ أشعلت ما تبقى. ثلاثة وحوش تتقاسم بلداً واحداً، وضحيتها شعبٌ يزرع ويرعى ويصبر، لكنه اليوم بات يُهجَّر ويجوع ويموت.
*المناخ: بلدٌ يحترق ببطء*
لا يحتاج السوداني إلى تقارير المناخ ليعرف أن شيئاً عميقاً قد تغيّر؛ يكفي أن يسأل جدَّه عن مواسم الأمطار التي اختلّت، والأنهار الموسمية التي انقطعت، والأشجار التي تراجعت أحزمتها شمالاً وجنوباً.
تُظهر تحليلات المناخ أن السودان من أكثر بلدان العالم هشاشةً أمام ارتفاع الحرارة وتقلب الأمطار، وأن متوسط درجات الحرارة مرشَّح للزيادة بنحو 1.5 إلى 3.1 درجات مئوية بحلول ستينات هذا القرن وفق بعض السيناريوهات العلمية. هذا لا يعني اتساع الرقعة الزراعية، بل يعني مزيداً من مواسم الجفاف الحاد والفيضانات المفاجِئة في آن واحد.
هذا التقلّب المناخي يضرب قلب الاقتصاد الريفي، حيث يعتمد معظم السكان مباشرةً على الزراعة والرعي لكسب عيشهم؛ إذ تشير تقديرات دولية إلى أن نحو 70–80 بالمئة من السودانيين يستمدون رزقهم من الأرض والماشية بصورة أو بأخرى. ومع تدهور انتظام الأمطار وتراجع إتاحة الموارد المائية السطحية والجوفية، تتآكل قدرة المجتمعات المحلية على التكيّف، وتتحول كل موجة جفاف أو فيضان إلى كارثة معيشية كاملة.
*التصحر: الصحراء تبتلع الوطن*
منذ عقود والصحراء تزحف جنوباً في صمت، لكن صور الأقمار الصناعية والتقارير العلمية تكشف أن ما كان يُظنّ مبالغة صار واقعاً يومياً لقرى تُدفن تحت الرمال وطرق زراعية تُمحى من الخريطة. تُظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة أن أكثر من نصف مساحة السودان مصنَّف حالياً كصحراء أو شبه صحراء، وأن الغابات لم تعد تغطي سوى نحو 11 بالمئة من الأرض، بينما تقلّ المساحات المزروعة عن 13 بالمئة من إجمالي المساحة. هذا يعني ببساطة أن الحزام الحيوي المنتج يضيق عاماً بعد عام، فيما تتسع دائرة الأراضي الميتة.
وتقدّر دراسات دولية أن نحو 63 بالمئة من أراضي السودان هي أراضٍ جافة مهددة بالتصحر بدرجات مختلفة، بفعل تداخل الجفاف المتكرر مع قطع الغابات، والرعي الجائر، والتوسع الزراعي غير المنظّم، والنزاعات المسلحة. في هذا المنحي، يحذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن زحف الصحراء جنوباً في السودان خلال العقود الأخيرة ارتبط مباشرةً بانهيار الإنتاجية الزراعية واندلاع موجات نزوح وصراعات محلية على الماء والأرض. ومع كون نحو 80 بالمئة من السكان يعتمدون على الأرض وموردها في كسب عيشهم، فإن كل كيلومتر تفقده البلاد لصالح الرمال يعني عملياً دفع عشرات الآلاف خطوة إضافية نحو الفقر والهجرة القسرية.
*الحرب: ما بنته الأجيال يُسوَّى بالأرض*
في أبريل 2023، اشتعلت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فأضافت إلى الأزمة المناخية والبيئية فصلاً من الدمار لم يكن محتملاً بمفرده، وصار كارثة مركّبة حين اجتمع بما سبقه. لم تقتصر نيران الحرب على المدن، بل طالت الحقول والغابات والمراعي والبشر في آنٍ واحد.
*المزارعون: أصحاب الأرض يُطردون من أرضهم*
المزارع السوداني لم يُقصِّر يوماً؛ زرع في أرضٍ تزداد جفافاً، وشقّ قنوات الري بيديه، وصمد في مواجهة الجفاف والحشرات والموسم الفاشل. لكن الحرب حطّمت ما لم يستطع الجفاف تحطيمه. وموّل الدولة من عرقه، وتكيَّف مع مواسم متقلبة وندرة مزمنة في الخدمات، ثم وجد نفسه في هذه الحرب مطروداً من حقله ومحاصَراً في قوته وكرامته. الزراعة التي كانت مورد عيشه الوحيد تراجعت تحت ضربات العنف وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والبذور، حتى أصبح الوصول إلى الأرض نفسها مخاطرة قد تكلِّفه حياته.
في قلب هذه المأساة يقف مشروع الجزيرة بوصفه الرمز الأوضح لانهيار العقد الزراعي في السودان؛ فهذه المساحة الشاسعة التي كانت تُعد أكبر مشروع ري مروي في أفريقيا، وتؤمّن جزءاً كبيراً من الحبوب والزيوت والقطن، تضررت بنيتها التحتية بشدة بفعل العمليات العسكرية، وتعرّضت قنوات الري ومحطات الضخ والمخازن لنهب وتخريب واسع النطاق. صور الأقمار الصناعية وتحليلات المنظمات الدولية تُظهر تحوّل مساحات واسعة من “سلة خبز السودان” إلى بقع بنية جرداء بعد أن كانت أنماطاً خضراء منتظمة، بما يعكس انهيار الدورة الزراعية في قلب البلاد.
هذا الانهيار في الإنتاج الزراعي ليس مسألة محلية أو ظرفية، بل هو اليوم أحد المحرّكات الرئيسة لأخطر أزمة جوع يشهدها السودان في تاريخه الحديث؛ إذ تشير تحليلات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إلى أن نحو 21.2 مليون شخص، أي قرابة 45 بالمئة من السكان، يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، مع تأكيد حدوث مجاعة منطقة في الفاشر وكادوقلي ومخاطر امتدادها إلى عشرات المحليات الأخرى. في مواجهة هذا الانهيار تطالب منظمة الأغذية والزراعة بتوفير 156.7 مليون دولار لدعم 14.2 مليون شخص من المزارعين والرعاة في موسم 2025، لكن الاستجابة التمويلية لا تزال أقل بكثير من مستوى الخطر، تاركة المزارع السوداني وحيداً بين حرب تدمّر أرضه وسوقٍ تعجز عن إنصافه.
*أكثر المناطق الزراعية تضرراً*
لو رسمت خريطة للألم في السودان، لوجدت أن أسماء الولايات المنكوبة تتكرر في كل تقرير وكل إحصاء وكل شهادة لأن الحرب لم تختَر ضحاياها عشوائياً، بل ضربت بدقة مُحكمة في القلب الزراعي للبلاد.
تبدأ القصة من ولاية الجزيرة، التي كانت حتى وقت قريب تُعرَّف بأنها “سلّة السودان” وزهرة اقتصاده. مشروع الجزيرة للري، الأكبر من نوعه في أفريقيا بمساحة تبلغ 2.1 مليون فدان، لم يكن مجرد مشروع زراعي كان عقداً اجتماعياً بين الدولة والفلاح. حين اقتحمت قوات الدعم السريع الولاية في أواخر عام 2023، لم تكتفِ بالاستيلاء على الأرض، بل نهبت محطات الضخ، وفككت معدات الري، ودمرت مخازن البذور — فتحول أخصب حقول السودان إلى صحراء من نوع آخر، صنعتها الحرب لا المناخ.
وفي شمال دارفور، حيث تقع مدينة الفاشر المحاصرة، أُعلنت المجاعة رسمياً وهي كلمة يتحاشى المجتمع الدولي استخدامها إلا حين لا يبقى من الإنكار مهرب. المزارعون هنا لم يهجروا أراضيهم طوعاً، بل دفعتهم المعارك المتواصلة بعيداً، فظلت الحقول شاهدة على غيابهم وامتلأت بالأعشاب الجافة بدل المحاصيل.
ولا تختلف المأساة كثيراً في جنوب كردفان، فمدينة كادوقلي أُعلنت هي الأخرى منطقة مجاعة، وبين أكتوبر وديسمبر 2025 وحدها، نزح ما لا يقل عن 64,000 شخص من الولاية في موجة نزوح متجددة لم تهدأ منذ اندلاع الحرب.
أما غرب كردفان، فتعاني من انهيار شامل في الأسواق الريفية التي كانت شريان التبادل بين المزارعين والرعاة والتجار. حين تموت الأسواق، يموت الاقتصاد الريفي بأكمله، ويجد الفلاح نفسه عاجزاً عن بيع ما زرع أو شراء ما يحتاج، فيدور في حلقة الفقر والعجز لا مَخرج منها.
وفي الخرطوم عاصمة البلاد التي لم يتخيل أحد يوماً أنها ستكون ساحة حرب توقف كل شيء. المدينة التي كانت تستقبل النازحين من كل حدب وصوب باتت هي نفسها تُصدِّر النازحين، إذ جاء منها 32 بالمئة من إجمالي النازحين داخلياً في السودان. والأراضي الزراعية على أطراف العاصمة وضفاف نهر النيل تُركت مهجورة، وأصحابها إما ماتوا، أو نزحوا أو ينتظرون نهاية لا تأتي.
وأخيراً، جنوب دارفور، التي تُشكّل ما يقارب 18 بالمئة من إجمالي النازحين داخلياً، وقد شهدت انهياراً شاملاً في الإنتاج الزراعي. إنتاج الدخن والذرة الغذاء الأساسي لملايين الأسر انخفض إلى مستويات لا تكفي للبقاء، في منطقة أصلاً تعاني من شُح الأمطار وتراجع خصوبة التربة.
ما تقوله هذه المناطق مجتمعةً هو أن الحرب لم تضرب السودان عشوائياً بل أصابت بنيته الغذائية في مقتل، في اللحظة ذاتها التي كان فيها المناخ والتصحر يُضيّقان الهامش. والنتيجة جوعٌ لم تشهده أجيال، ونزوحٌ لم يتوقف، وأرضٌ تنتظر أبناءها الذين لا يعرفون إن كانوا سيعودون.
*الرعاة: حرية التنقل حياة، وقد سُرقت منهم*
يمثّل الرعاة والمنتجون الرحّل أحد أعمدة الاقتصاد السوداني؛ فالقطاع الحيواني يوفّر نحو 25–35 بالمئة من الناتج الزراعي ويسهم بما يقارب 40 بالمئة من فرص العمل، وتعتمد غالبية الإنتاج على أنظمة رعوية ومتحركة عبر مسافات قد تتجاوز 400 كيلومتر سنوياً بحثاً عن الماء والكلأ. هذه الحركة الموسمية ليست ترفاً، بل هي شرط البقاء نفسه؛ إذ تُبنى عليها دورة الولادة والتسمين، وتوزيع الضغط على المراعي، وتفادي الجفاف والأوبئة في بلد تتقاطع فيه الهشاشة المناخية مع الفقر البنيوي.
الحرب الأخيرة قيّدت هذه الحركة إلى حدّ الخنق؛ فمسارات الترحال التقليدية قُطعت بنقاط تفتيش وخطوط مواجهة، وتحوّلت مناطق بكاملها في دارفور وكردفان وشرق السودان إلى أحزمة خطرة تمنع الوصول إلى المراعي التاريخية وموارد المياه. في غرب كردفان وحدها تشير تقارير ميدانية إلى أن الأنشطة النفطية والتعدينية، إلى جانب الخنادق حول الحقول والنزاعات القبلية، قلّصت مساحات الرعي وأغلقت مجاري المياه، مخلّفةً نفوقاً واسعاً للماشية وحصاراً قاسياً للرعاة في جيوب ضيقة هشة مناخياً. ونتيجة لذلك، يُقدَّر أن ما لا يقل عن سبعة ملايين شخص ممّن يعتمدون مباشرة أو بصورة غير مباشرة على الرعي تضرروا من هذه القيود، فيما يدفع تغيّر المناخ والجفاف الطويل مزيداً من المجتمعات الرعوية نحو النزوح القسري والتخلي عن نمط حياتهم، مع ما يحمله ذلك من خسارة اقتصادية وثقافية وبيئية لا تُعوّض.
لا يفهم مَن لم يعِش الحياة الرعوية في السودان معنى أن يُسرق من الراعي طريقُه. الراعي السوداني لا يملك مصنعاً ولا بنكاً ولا عقاراً يملك قطيعه وطريقه وموسمه. حين يُحجب عنه أيٌّ من هذه الثلاثة، ينهار كل شيء.، مثلاً، لم يعودوا قادرين على اتباع مساراتهم التقليدية بين مراعي البطانة الشمالية والأحزمة الجنوبية. النتيجة كانت كارثية على مستويات متعددة في آنٍ واحد:
• القطعان تتكدس في مناطق آمنة ضيقة، تُدمّر مراعيها بالرعي الجائر وتُحطم ما تبقى من غابات
• الأوبئة تضرب الحيوانات المتزاحمة، فتنتشر أمراض وبائية تقتل الثروة الحيوانية وتدمّر مصدر الدخل والغذاء معاً
• الحليب يختفي من موائد الأسر الرعوية، وهو الغذاء الأول للأطفال، فترتفع أرقام سوء التغذية الحاد
• الرعاة يبيعون مواشيهم بأثمان بخسة في مواقف الاضطرار، فيُفنون رأس مالهم الوحيد الذي يمثل حياةً بأكملها
• كثيرون يتخلون عن هويتهم الرعوية كلياً، متحوّلين إلى حطّابين وبائعين متجوّلين وعمال يومية وكل هذا يزيد الضغط على البيئة ويُعجّل من تدهورها
والأشدّ مرارةً أن التنافس المتصاعد بين المزارعين والرعاة على الموارد الشحيحة يُفرز صراعات محلية جديدة تتداخل مع الحرب الكبرى، فتُضاعف من حلقات العنف في دوامة لا قرار لها.
*النزوح: أكبر أزمة لجوء في العالم، وعنوانها السودان*
مَن يتخيّل حجم النزوح في السودان اليوم يجد نفسه أمام أرقام تعجز اللغة وحدها عن استيعابها. السودان يحمل اليوم لقب أكبر أزمة نزوح في العالم بأسره.
أكثر من 11.5 مليون شخص نازحون داخل حدود السودان
• أكثر من 3.3 مليون شخص لجأوا إلى تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وأفريقيا الوسطى دول تحمل أصلاً أعباءً فوق طاقتها
• 17 مليون طفل خارج المدارس جيل بأكمله يتبخر مستقبله
• في سبتمبر 2025، كان 21.2 مليون شخص ما يعادل 44.6 بالمئة من السكان يواجهون مستويات أزمة غذاء حادة (المرحلة الثالثة من تصنيف IPC) أو أسوأ
• في موسم الحصاد بين أكتوبر 2025 ويناير 2026 وهو الموسم الذي كان يُعوَّل عليه للراحة النسبية ظل 19.2 مليون شخص في مستويات الأزمة أو المجاعة
• أكثر من 60 بالمئة من المناطق المرصودة سجّلت معدلات سوء تغذية حاد تتجاوز عتبة 15 بالمئة الطارئة، وأربع مناطق في دارفور الكبرى تجاوزت حدّ 30 بالمئة الذي يُعدّ من مؤشرات المجاعة الرسمية
• 3.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء تغذية حاداً في عام 2025
والمفارقة القاتلة أن النازح الذي فرّ من الحرب والجوع يجد نفسه مضطراً لقطع الأشجار وصنع الفحم وتحويل المراعي إلى حقول بدائية من أجل البقاء فيصبح بالضرورة شريكاً في تدمير البيئة التي يعتمد عليها وجوده.
*المناطق الأشد وطأة: الجغرافيا تتكلم*
تُظهر خرائط الجوع والنزوح أن قلب الكارثة يتمركز في نفس الأقاليم التي كانت أصلاً الأضعف مناخياً وبيئياً؛ فدارفور الكبرى وكردفان الكبرى، حيث الهشاشة المطرية والتصحر القديمان، أصبحتا اليوم بؤرة المجاعة والانهيار المعيشي. ففي سبتمبر 2025، ثبّتت لجنة مراجعة المجاعة التابعة لنظام التصنيف المتكامل للمراحل (IPC) أن مدينتي الفاشر في شمال دارفور وكادوقلي في جنوب كردفان تعيشان حالة مجاعة كاملة (المرحلة الخامسة)، مع تحذير من امتداد الخطر إلى ما لا يقل عن 20 محلية أخرى في دارفور وكردفان إذا استمر الحصار وتعطّل وصول الإغاثة.
ولا تقف الجغرافيا عند حدود الغرب والجنوب الغربي؛ فالخرطوم التي كانت تاريخياً ملاذاً للفارّين من الجفاف والعنف تحولت هي الأخرى إلى نقطة انطلاق لواحد من أكبر تدفقات النزوح، إذ تُظهر بيانات الهجرة الدولية أن نحو ثلث النازحين داخلياً خرجوا من ولاية الخرطوم وحدها، تليها ولايتا جنوب وشمال دارفور بنِسَب مرتفعة من النازحين. هذا التلاقي بين هشاشة المناخ في الغرب والجنوب، وانهيار المركز في الخرطوم، وانتقال ملايين البشر إلى ولايات مثل القضارف وكسلا والبحر الأحمر، خلق حزاماً جديداً من الضغط على الموارد في الشرق، تُحذّر التقارير من أنه قد يتحول بدوره إلى بؤرة أزمة بيئية وغذائية إذا لم تُعالَج جذور الصراع والمناخ معاً.
*الحلقة المفرغة: حين تتآكل الكوارث بعضها*
ما يجعل أزمة السودان مختلفة ومرعبة في عمقها هو أن كوارثها الثلاث لا تتجاور، بل تتغذّى على بعضها في حلقة جهنّمية لا تتوقف. المناخ يُجفّف الأرض؛ التصحر يُضيّق مساحة الحياة؛ الحرب تُدمّر كل ما بناه الإنسان ليتكيّف مع الأوّلَين. والمزارع النازح يقطع شجرة لتدفئة أطفاله، فيمحو الغطاء الذي كان يكبح الرمال. والراعي المحاصر يُتلف المرعى الأخير، فيُقضي على مستقبل من جاء بعده.
السودان لم يفقد بعد فرصته؛ أرضه لا تزال تنتظر، وشعبه لا يزال يقاوم، وإرادته لا تزال حية. لكن هذا الانتظار لا يتحمّل مزيداً من الصمت. متى صمتت البنادق واستُثمر في التكيّف المناخي وعادت الغابات إلى أرضها، سيُكتب عن السودان درسٌ مختلف تماماً درسٌ يقول: إن شعباً أحاطته الكوارث من كل جانب فلم ينكسر، وأرضاً أُنهكت فأبت إلا أن تعود خضراء. العالم الذي يحتفل اليوم بيوم البيئة أمامه خيار: إما أن يجعل من السودان شاهداً على الفشل، أو نموذجاً يُحتذى في النهوض.


