سلسلة: الثروة الحيوانية في السودان… بين الواقع والتحديات وآفاق الاستدامة
(1) الثروة الحيوانية: عملاق اقتصادي بإمكانات غير مستغلة
د.جلال محمد يس
يُنظر إلى السودان، منذ عقود، باعتباره واحداً من أغنى الدول الإفريقية في مجال الثروة الحيوانية، ليس فقط من حيث أعداد القطعان، بل أيضاً من حيث تنوع البيئات الطبيعية التي تسمح بتربية أنماط متعددة من الماشية. ففي بلد يمتد عبر أقاليم من السافنا الغنية إلى شبه الصحارى، تشكل الأبقار والأغنام والماعز والإبل مورداً استراتيجياً ظل لعقود طويلة صمام أمان للاقتصاد الريفي، ومصدراً رئيسياً للدخل لملايين الأسر.
ورغم التحديات السياسية والاقتصادية التي مر بها السودان، حافظ قطاع الثروة الحيوانية على مكانته كأحد الأعمدة القليلة القادرة على الصمود، مساهماً في الناتج المحلي الإجمالي، ومغذياً لأسواق الصادر، خاصة في مجال اللحوم الحية والمذبوحة. كما يلعب دوراً محورياً في تحقيق الأمن الغذائي، ليس فقط عبر توفير البروتين الحيواني، بل أيضاً من خلال ارتباطه المباشر بسبل العيش في الريف.
غير أن هذه الصورة، على أهميتها، تخفي وراءها مفارقة لافتة: وفرة في الموارد مقابل ضعف في الاستغلال. فالإنتاجية لا تزال منخفضة مقارنة بالإمكانات المتاحة، وسلاسل القيمة تعاني من اختناقات واضحة، تبدأ من ضعف الخدمات البيطرية، مروراً بتدهور المراعي، وانتهاءً بغياب التصنيع الحيواني المتقدم.
في هذا السياق، تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تطوير قطاع الثروة الحيوانية لا يعتمد على زيادة أعداد الحيوانات بقدر ما يرتكز على تحسين الكفاءة الإنتاجية، أي إنتاج المزيد من اللحوم والألبان باستخدام موارد أقل، وبأثر بيئي أدنى. وهو تحول يتطلب إدخال تقنيات حديثة في التغذية، وتحسين السلالات، وتعزيز نظم الإدارة الصحية.
كما أن ضعف البنية التحتية—من طرق ونقل وتبريد—يؤدي إلى فقدان جزء معتبر من القيمة الاقتصادية، خاصة في مناطق الإنتاج البعيدة عن مراكز الاستهلاك والتصدير. ويزيد من تعقيد المشهد غياب التمويل الكافي لصغار المنتجين، الذين يشكلون النسبة الأكبر من العاملين في هذا القطاع.
ومع ذلك، تظل الفرصة قائمة. فالسودان يمتلك ميزات تنافسية حقيقية، تشمل وفرة الأراضي، وتنوع المراعي، وخبرة تراكمية لدى المجتمعات الرعوية. وإذا ما أُحسن استثمار هذه الموارد ضمن رؤية متكاملة، يمكن للثروة الحيوانية أن تتحول من قطاع تقليدي محدود الإنتاجية إلى رافعة اقتصادية حديثة تسهم في تحقيق التنمية المستدامة.
غير أن تحقيق هذا التحول لن يكون ممكناً دون معالجة الأسئلة الجوهرية: كيف نوازن بين زيادة الإنتاج والحفاظ على البيئة؟ وكيف نعيد هيكلة القطاع ليصبح أكثر كفاءة وعدالة؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه السياسات العامة والشراكات الدولية في هذا المسار؟
أسئلة تفتح الباب أمام المحور التالي من هذه السلسلة، حيث ننتقل من الاقتصاد إلى البيئة، لنفهم كيف أصبحت المراعي والموارد الطبيعية في قلب التحدي.
يتبع..


