شَوَاهدُ التنوّع الأحْيائِي في الاسماءِ وفي شِعرِ الباِديَة السودانِيّ

يعد شعر البادية سجلاً حياً لحياة سكانها وبيئتهم وما بها من معالم جغرافية وأحوال الطقس والكائنات الحية التى تعيش فيها من نباتات وحيوانات، يتفاعلون معها في حلهم وترحالهم

شَوَاهدُ التنوّع الأحْيائِي في الاسماءِ وفي شِعرِ الباِديَة السودانِيّ

د. يوسف محمد أحمد إدريس

يمتاز السودان بمدى واسع وتنوع كبير في النظم الإكٌولوجِيّة التى تمتد من الصحراء وشبه الصحراء والجبال وسافنا النباتات الطويلة وسافنا النباتات القصيرة والنظم البحرية والساحلية والنظم الإيكولوجية للمياه الداخلية (أنهار وخيران وبرك وميعات ووديان). يعتبر كل من هذه النظم الإكولوجية موئلاً لتنوع كبير وأنواع كثيرة من النباتات والحيوانات الوحشية. وينعم السودان بتنوع كبير في النباتات والأشجار و الشجيرات، إذ يبلغ عدد أنواع النباتات 2138 والأشجار 535 نوعاً وعدد أنواع الشجيرات 184، وهو الموطن الأول لعدة أصناف من المحاصيل، تشمل الذرة والسمسم والدخن والقرعيات والبامية والتمور الجافة. والسودان غَنِي بأنواع الطيور، به 927 نواعاً من الطيور، تشمل 230 نوعاً من طيور الغابات و129 نوعاً من الطيور المائية و40 نوعاً من الطيور الجارِحة، ويعيش في بيئات السودان المختلفة 90 نوعاً من الزواحف و 188 نوعاً من الثديّات. وقد أجاز السودان أول استراتيجية وخطة عمل وطنية للتنوع الأحيائي عام 2000 ثم أتبعها بأخري عام 2015 م.

يتجلى التنوع الأحيائي في أسماء وألقاب الأفراد والأُسر السودانية، ومن ذلك الفيل والأسد والدّابِي والدُود وهَدَابْ(وهو الأسد بلغة البداويت) ونِمِر والنِمير والنِميري وجاموس وتُمساح وأب كريق والجمل والتور وبعشوم وأب دبِيب وأبوشوك والنِّعام ومرفعين الفقراء وأبوكِديّسة وأبونِخيلة والتِلِب والدِحيش. وهو حاضر بوضوح أكبر في أسماء القري والبلدان والمواقع الجغرافية التى أُتخِذت أنواع النباتات والحيوانات أسماءً لها.

من هذه الاسماء على سبيل المثال، أم سنط وأم دوم ودومة وحامد والدِويمَات وأم عَرَديب والهشابة والطّلحة والطّلحة ودالطِريفي وأبوطِليح والسيّال وأم سيّالة والطُنْدُبْ والطِّنيدبة وطندباية وأبوحراز والحِريِّز والجميزة والسِديرة واللّعوتة واللِعيِت جار النبي والكِتير وأبوعشر والعشرة والهجليج وهجيليجة والسمْرَة وأم دُخُن وأم مُحَّار وأم قَرْقور وأم فِيلَة وغابة الفِيل وأم بقرة وكُدْر البقرة وأم دبيكرات والدِبيكرة وقَلَع النّحل وعِد الغنم والإندرابة وأب قرع وأبونعامة وغزالة جاوزت والكِريمِت والتِنّوبة وتَبْ الزّراف وأبورَخَم وأبوسِعِد وأب سَعَنة والسَلَمة والسلمة قُبْلِي ووادي الحُمار وأم كدادة والدليبة و أم دَبِيب وود النمر والنِخيلَة وحسكنيتة والأراك وأركويت والبعاشِيم وودالبصل وحجر الطير وأم الطيور وحِدَيّة وكاب الجِداد والكِريمت وأب نَحَل وأم ضُبّان(التى تعرف حالياً بأم ضواً بان) وشَبَشَة وأبوقِمْرِي .

تعد أسماء هذه المناطق سجلاً حيّاً للتنوع ولثراء البيئة بأنواع الأشجار والشجيرات والنباتات الأخري والحيوانات، وشاهداً على تفاعل الإنسان بالأحياء حوله، وربما تؤشر لسيادة أنواع محددة من النباتات في إقليم معين في زمن ما.

ونلاحظ أن معظم أسماء القري في وسط السودان هى اسماء أشجار أكاشيا وتليها أنواع أخري، بينما تلك التي على أسماء حيوانات وحشية توجد في مناطق السافنا الغنية أو التي كانت سافنا غنية. يؤشر انتشار المناطق التى تحمل اسم نفس الشجرة مثل أم دوم والدويمات والدومة ودومة ود حامد لانتشار أشجار الدوم في مسافات متباعدة وربما يشير لتفردها في بعض المناطق مما حدا بأهل تاك المناطق إطلاق اسمها على المنطقة باعتبارها معلماً مميزاً. بالرغم من أن أسماء مناطق مثل السلمة والسلمة قبلي والسيالة و أم سيالة والسيال والسمرة تبدو مختلفة

وقد أطلقت على مناطق في نهر النيل وولاية الخرطوم وشمال كردفان ألّا أن هناك خيط ناظم بينها، هو أنها أسماء أشجار أكاشيا وأن معظم هذه الأشجار تسود في شبه الصحراء، وهذا خيط آخر يربط بين بيئاتها. إن القرى والبلدات التى تحمل أسماء أشجار الكِتِر واللعوت والحراز والطلح والسنط تميز منطقة وسط السودان، خاصة الجزيرة وفي ذلك دلالة على وجود هذا النوع من الأشجار وجوداً واضحاً في هذا الفضاء الجغرافي. من اللافت للنظر وجود أسماء بابنوسة في غرب كردفان والبابنوسة في جنوب غرب الدندر والبابنوسة في شرق الجزيرة، بالرغم من أن الأبنوس قد اختفي من هذه المناطق منذ أكثر من قرن إلّا أن اسماء هذه المناطق توحى أنه كان موجوداً في هذا المدى الجغرافي الواسع، بيد أنه اندثر الآن جراء التغيير الكبير في بيئة هذه المناطق. وتوحى أسماء أم فيلة (في الشمال الشرقي من ولاية سنار وتَبْ الزراف (في الشمال الغربي من محلية المفازة بولاية القضارف) بأن هذه المناطق التى تقع علي الشمال من محمية الدندر بأكثر من مائة كيلومتر، قد كانت تشبه بيئة المحمية وتذخر بتنوع كبير في الحياة البرية بما في ذلك الفيلة والزراف، وربما كانت الأفيال تغشى غابة الفيل المشهورة بين القضارف والشواك في زمن قديم فسميت بهذا الاسم. والبعاشيم في أطراف المناقل تشى بأن الثعالب كانت من الحيوانات الوحشية السائدة في هذه المنطقة وأن الغطاء النباتي الذي يلائم حركة وتعداد الثعالب قد كان كبيراً وليس كما هو حال هذه المنطقة الآن وقد أضحت شبه صحراء.

تقع بوادي السودان في عدد من البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية وفي السافنا غنيها وفقيرها، في شرق ووسط وغرب وجنوب وشمال السودان، وتذخر بوادي السودان بأصناف شتى من النباتات والطيور والحيوانات الأخري والحشرات، وأهل البادية أكثر التصاقاً ومعرفة ببيئاتهم واحتفاءً بها.

يعد شعر البادية سجلاً حياً لحياة سكانها وبيئتهم وما بها من معالم جغرافية وأحوال الطقس والكائنات الحية التى تعيش فيها من نباتات وحيوانات، يتفاعلون معها في حلهم وترحالهم. معظم ما ورد في أشعار البادية كان عن النباتات والأشجار والشجيرات وبعض الحيوانات الوحشية خاصة الغزلان كما شمل حيواناتهم التي تمثل ثرواتهم وعصب حياتهم.

وقد حفلت هذه الأشعار بسجل للتنوع الأحيائي قبل أن يكون هناك عملاً مؤسسياً يرصد ويسجل هذا التنوع ويصنفه وفق البيئات. تعد أشعار الحاردلو وبصفة خاصة مسدار الصيد، نموذجاً رائعاً لحث المجتمع على المحافظة على التنوع الأحيائي، ذلك الهدف الذي صار من أهداف الأتفاقية الدولية للتنوع الأحيائي الثلاثة، وهى المحافظة والاستدامة والاستغلال العادل النزيه. فمسدار الصيد في جوهره دعوة للمحافظة على الصيد والتوسل لذلك بالانتفاع بجماله لا بلحومه، مما يؤمن عناصر المحافظة والاستدامة والانتفاع التى ترمى لها اتفاقية التنوع الأحيائي، فالانتفاع بالجمال أرقى وأكثر عدلاً ونزاهةً من الانتفاع باللحوم والشحوم. ويتجلى حرص الحاردلو على سلامة الغزلان والمحافظة عليها من تعديات الناس والمفترسات في قوله:

مرقن يامجيب لي جملة السُعَّال
شاحدك تجمعن من مطبق الحلَّال
ما ينقص حساب الدرج ولو بي عجال
ونحن نجيب لهن في كل يوم منوال

فهن عرضة للكثير من المخاطر عند عبورهن بالحلّال(القري) في طريقهن جيئة وذهاباً من البطانة، يسأل الحاردلو الله لهن السلامة وتمام العدد. ثم يعبر عن فرحه وسعادته بسلامتهن وتمام عددهن بنهاية رحلتهن للبطانة وبداية رحلة العودة للصعيد في قوله:
المعزة البجازن ديمة فوق في خلاهن
بالغات النِّصاب أنصاري ما زكاهن
من ود البصير جايب إذن بي غناهن
شوفن يالزبير في لساني كيف ما أحلاهن

ذكر الحاردلو في مسدار الصيد 26 نوعاً من الكائنات الحية، منها 13 نوعاً من النباتات و10 أنواع من الحيوانات و3 أنواع من الطيور. شملت هذه الكائنات كل من أب عرَّاق والباشندي والبقيل والنَّال والسيَّال والسِدِر والقُمْبار والفقّوس والبُوص والحَمَريب والطلح والريحان والنعناع والقرود والكديس والغزلان والناموس والدموكيات(الإبل) والفأر والكلب وأب سِعِن والبقر والمعزة والصِقير والفِرَّة والبِليبِلي. مسدار الصيد هو أشهر مسادير البطانة ولا حاجة لإيراد نصه هنا، إلّا الاشارة لبعض ما جاء فيه مما له علاقة مباشرة بموضوعنا.

خلاهن رتوع في بقيل وخرجة نال
لامن دور الوادي السِّري سيال
فوق قمزوز طلع شاف في ملينتو زوال
وقلعة كو حفيرها لقالو فيها نعال
خلالهن على حجر الصفية حبوس
ولقى في الدهسريب قمبار وعرق فقوس
في المخلوقة شن تشبه معيز ام روس
غير الفي وريدن شولقن مرصوص
ختمن شابلك العارق التلات شدرات
مرقن فوق عزاز حمريبة ام سوبات
داشن لي الصباح ما لقنلهن مرحات
لامن لينن باكر على الطلحات

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English