غابة السنط: من ملاذ الأمس إلى حلم الغد

من الأمس الجميل إلى اليوم الصعب، والآن إلى غد مشرق. غابة السنط تستحق أن تعود، وتستحق أن نعملها معاً – حكومة، مجتمع مدني، وشعب واعي.

غابة السنط: من ملاذ الأمس إلى حلم الغد

طلعت دفع الله عبد الماجد

في الأيام الخوالي، كانت غابة السنط بالخرطوم واحة الراحة والهدوء وسط صخب العاصمة الضجيج. كانت أشجارها الشامخة توفّر ظلالاً وارفة يلتمس فيها أهالي الخرطوم – من كل أطرافها – الراحة والاستجمام، خاصة خلال فترات الصيف الحار الخانق. العائلات كانت تحضر أطفالهم، والعشاق يبحثون عن هدوء، والباحثون يأتون بحثاً عن الطبيعة الحية. رغم افتقار الغابة إلى الخدمات الحديثة والمرافق المريحة، إلا أن بساطتها كانت جزء من سحرها – حيث يستمتع الزوار برحلة حقيقية بعيداً عن ضجيج المدينة، وضوضاؤها، وتلوثها البصري والصوتي.

لكن هذا الواقع الجميل لم يبقَ. بمرور الوقت، ومع تزايد الضغوط الحضرية والتهديدات البيئية، بدأت الغابة تنكمش. ومع ذلك، ظهرت بارقة أمل قوية.

المشروع الدولي: خطة إنقاذ متكاملة

في إطار الاهتمام الدولي بحماية التنوع البيولوجي والنظم البيئية، وضّع مرفق البيئة العالمية (GEF) – بالتعاون مع برنامج الأغذية والزراعة (الفاو) – مشروعاً ممولاً بـ 17.3 مليون دولار لإعادة تأهيل الغابات النيلية بما فيها غابة السنط. تم التصديق على هذا المشروع رسمياً، وتم تعيين مدير وطني من الهيئة القومية للغابات لقيادة العمل، مع تحديد خطط واضحة وموارد مالية محددة لضمان النجاح.

الآن: إعادة الحياة إلى الحلم

اليوم، وبعد سنوات من التوقف والتأخير، بدأت إدارة الهيئة القومية للغابات تحريك هذا المشروع من جديد. بعد فترة من عدم النشاط، وإدراكاً منها لحجم الأزمة التي تواجهها الغابة – خاصة بعد الدمار الكبير الذي حدث خلال الحرب الحالية – بدأت الهيئة تجري التشاورات الضرورية مع برنامج الفاو لإعادة تفعيل المشروع وتطبيق خطواته على الأرض.

دعم سياسي حكومي مباشر

في تطور إيجابي مهم، قام رئيس مجلس الوزراء بزيارة ميدانية شخصية إلى غابة السنط، حيث تفقد بنفسه حجم الدمار والضرر الذي ألحقته الحرب بهذا المعلم الحضاري والبيئي. كان الرئيس حزيناً وقلقاً على ما آلت إليه الغابة، مما انعكس في اهتمامه الواضح وتعليقاته على خطورة الوضع. لقيت هذه الزيارة صدى واسع في وسائل الإعلام والمجتمع، مما يدل على استجابة حقيقية من أعلى مستويات الحكومة وتقديرهم لأهمية غابة السنط الاستراتيجية والحضرية والبيئية.

هذا الزخم السياسي وهذا الاهتمام من القيادة السياسية يمثل فرصة عظيمة ولا تُفوّت. يجب أن نستفيد من هذا الدعم الحكومي الواضح لتسريع تنفيذ المشروع، وتعبئة الموارد، وتفعيل الخطط التي ظلت معطلة.

الآن الدور علينا جميعاً

هذا المشروع لن ينجح بالقرارات الحكومية وحدها. يحتاج إلى دعم شعبي حقيقي. يحتاج إلى ناشطين يرفعون الصوت، إلى عائلات تدافع عن حقها في غابة آمنة، إلى باحثين يوثقون أهميتها، إلى معلمين يأخذون طلابهم إليها.

غابة السنط لم تمت. إنها فقط تنتظر أن نعيد لها الحياة – معاً.

اللحظة حاسمة

لا يمكننا تجاهل هذه الفرصة. هناك دعم سياسي من القيادة، هناك تمويل دولي (17.3 مليون دولار)، وهناك إرادة حكومية واضحة. كل العناصر موجودة الآن – ما ينقصنا فقط هو التحرك السريع والعمل الفعلي على الأرض.

من الأمس الجميل إلى اليوم الصعب، والآن إلى غد مشرق. غابة السنط تستحق أن تعود، وتستحق أن نعملها معاً – حكومة، مجتمع مدني، وشعب واعي.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English