شجرة التبلدي: ذاكرة وطن لا تموت
أ.د طلعت دفع الله عبد الماجد
يشبّه السودانيون شجرة التبلدي بالإنسان الصبور، الذي يواجه القسوة بابتسامة، ويعطي بلا حدود. فهي مثل أهل السودان: واقفة رغم الريح، ومثمرة رغم العطش.
في الأمثال الشعبية يقال عن الشخص الكريم الثابت: “زول زي التبلدي”، أي لا تهزّه الأيام ولا ينكسر أمام الصعاب. وفي بعض القرى القديمة، كانت التبلدية مركز الحياة، يجتمع الناس تحتها في الأعياد والمناسبات، وكأنها دار ظلٍّ ودفء تحفظ أسرار المكان.
كما دخلت التبلدية في القصص والأساطير، فقيل إنها “شجرة الخير” التي تمنح دون مقابل، وإن روح الأرض تسكن فيها لتحمي القرى من الجفاف. حتى الأطفال كانوا يلعبون حولها ويتباركون بها، لأنها ترمز عندهم إلى الأمان والطمأنينة.
التبلدي ليست شجرة عادية، بل مرآة لروح الإنسان السوداني: قوية الجذور، واسعة القلب، باقية في الأرض رغم كل المواسم.
في مقال الأديب جمال محمد إبراهيم “مرافعة في مقتل وطن وتبلدية”، يروي قصة حزينة عن شجرة تبلدي في الخرطوم كانت قد غرسها الإداري البريطاني السير دوجلاس نيوبولد قبل نحو قرن، حباً في السودان وطبيعته.
بعد عقود طويلة، قُطعت الشجرة في قرار إداري عابر، وكأنها لم تكن جزءاً من تاريخ المدينة وذاكرتها. ذلك الفعل البسيط في ظاهره كان في جوهره اغتيالاً لمعنى الوفاء والوعي البيئي، كما وصف الكاتب في مفارقة مؤلمة بين مستعمرٍ حفظ الشجرة ومسؤولٍ وطني أزالها بلا وعي.
التبلدي شجرة فريدة؛ تعيش لمئات السنين، وتمنح الإنسان الغذاء والدواء والظل والماء. ثمارها غنية بفيتامين (C) أكثر من البرتقال، وزيتها يستخدم في العلاجات والتجميل، وجذعها يخزّن آلاف اللترات من الماء في قلب الصحراء. ولذلك يسميها الأفارقة “شجرة الحياة”.
لكن قيمة شجرة التبلدي ليست مادية فقط، فهي رمز للثبات والذاكرة، شاهدة على أجيال تعاقبت، وأرض قاومت الجفاف والنسيان. تقف في المكان كأنها تحرسه من التبدّل، تحفظ ملامحه وتروي قصص من عاشوا حولها. جذعها يحمل آثار السنين، وكأنه دفتر مفتوح لذكريات الناس.
وحين تُقطع تبلدية، كما حدث في الخرطوم، لا نفقد مجرد شجرة، بل نفقد جزءاً من وجداننا الجمعي، لأن الشجرة ليست خشباً وأوراقاً فحسب، بل ذاكرة وأمان ورمز. إنها قطعة من هوية المكان، ومن روح الوطن نفسه.
وهنا تكمن الرسالة العميقة: إهمال الرموز الطبيعية مثل التبلدي، هو وجه من وجوه تراجع الوعي الثقافي والبيئي. فحين نتعامل مع الشجرة كشيء عابر، نكون قد فقدنا إحساسنا بجمال الأرض ومعنى الانتماء إليها.
التبلدي تذكّرنا أن الطبيعة ليست منحة مؤقتة، بل عهد بين الإنسان والأرض، ومن يحافظ عليها يحافظ على ذاته وذاكرته في آنٍ واحد.
إن الرسالة التي يبعث بها المقال تتجاوز قصة شجرة واحدة، فهي دعوة صادقة لحماية ما تبقّى من أشجارنا القديمة، تلك التي تمثل جزءاً من الذاكرة الوطنية والهوية البيئية للسودان. علينا أن نزرع في الأجيال احترام الطبيعة كما نحترم التاريخ، فالشجرة ليست مجرد ظلّ أو خشب، بل حياة متجذّرة في الأرض، تشبه الوطن نفسه؛ قد تُصاب، لكنها لا تموت.
ويؤكد المقال على أن حماية الأشجار التاريخية واجب وطني لا يقل أهمية عن حماية الآثار والمباني القديمة، فهي جزء من التراث الطبيعي والروحي الذي يربط الإنسان بأرضه. كما يلفت الانتباه إلى ضرورة غرس الوعي البيئي في المؤسسات الحكومية والمجتمعية، والتعامل مع البيئة بعلمٍ ومسؤولية، لا بعشوائية وإهمال.
ومن بين هذه الرموز، تستحق شجرة التبلدي مكانة خاصة، فهي ليست شجرة عادية، بل أيقونة سودانية ينبغي أن تُدرج ضمن قوائم التراث الطبيعي المحمي (Protected Heritage Trees) في البلاد، أسوةً بتجارب دول أفريقية مثل كينيا وتنزانيا، حيث تُصنَّف أشجار الباوباب – وهي من فصيلة التبلدي – ككنوز وطنية تُحاط بالحماية والرعاية.
إن حماية التبلدي اليوم ليست عملاً بيئياً فحسب، بل موقف ثقافي وإنساني يعكس احترامنا للماضي وحرصنا على مستقبل أكثر خضرة وحياة.


