رحلة حفظ التنوع الوراثي الزراعي السوداني: من فافلوف إلى الطاهر إبراهيم
في عالم التنوع الوراثي النباتي، يظل العالم الروسي نيكولاي فافلوف (1887–1943) مثالاً خالداً، فقد أسس بنوك الجينات الكبرى ووضع نظرية مراكز نشوء المحاصيل الزراعية. ورغم نهايته المأساوية في سجون ستالين بسبب غيرة مهنية وتآمر سياسي، بقيت أفكاره منارة للباحثين.
رحلة حفظ التنوع الوراثي الزراعي السوداني: من فافلوف إلى الطاهر إبراهيم

د.عبدالعظيم ميرغني
• في عالم التنوع الوراثي النباتي، يظل العالم الروسي نيكولاي فافلوف (1887–1943) مثالاً خالداً، فقد أسس بنوك الجينات الكبرى ووضع نظرية مراكز نشوء المحاصيل الزراعية. ورغم نهايته المأساوية في سجون ستالين بسبب غيرة مهنية وتآمر سياسي، بقيت أفكاره منارة للباحثين.
• بعد زيارته لإثيوبيا سنة 1927 وتصنيفها كأحد مراكز نشوء المحاصيل، كان يخطط للتوجه إلى السودان لاستكشاف موارده، لكن القنصل البريطاني في أديس أبابا رفض منحه إذن الدخول، فتعثّر مشروعه المباشر في السودان.
• لكن القدر هيأ للسودان من يقوم بالمهمة، فجاء الطاهر إبراهيم ليواصل هذا النهج بروح وطنية، جامعاً بين حس الباحث ووعي استراتيجي جعل السودان شريكاً فاعلاً في الحفاظ على التنوع الوراثي الزراعي العالمي.
• التحاق الطاهر بقسم البساتين بهيئة البحوث الزراعية عام 1982 جاء في بداية انطلاقة مشروع المجلس الدولي للموارد الوراثية النباتية (IBPGR)، تحت إشراف بروفيسور محمود صالح حسن وبمشاركة بعض الباحثين مثل بروفيسور ميرغني خوجلي.
• ارتكز المشروع على جمع عينات الموارد البستانية المحلية وإنشاء بنك جينات لحفظها عبر رحلات ميدانية في أقاليم السودان المختلفة، مع توثيق شامل لكل عينات البذور والمعلومات المتعلقة بها.
• في 1984–1985، ابتُعث الطاهر لنيل درجة الماجستير، وخلالها تم تجهيز غرفة في قسم البساتين لتكون بنك جينات مع توفير معدات أساسية، بما في ذلك ثلاجات حفظ البذور وأجهزة لتجهيز وفحص البذور.
• عند عودته عام 1985، بدأ تشغيل الوحدة واستكمال البنية الأساسية مع برامج تدريبية للكوادر، لتنطلق المرحلة الأولى من برنامج حفظ الموارد الوراثية البستانية.
• استمر الطاهر ضمن مشروع ثانٍ مع المجلس الدولي، مستهدفاً إكثار البذور وتوصيفها وفق القوائم العالمية، شمل محاصيل خضرية وشماميات، ونباتات ورقية وعطرية وطبية.
• ورغم كونه الباحث الوحيد المتفرغ، ركّز على توصيف المداخيل وإكثار البذور مع بعض رحلات الجمع التي غطت مناطق نائية، ما أتاح توسيع قاعدة البيانات الوراثية للنباتات السودانية بشكل كبير.
• في 1991، صدر قرار وزاري بتكوين لجنة قومية للموارد الوراثية النباتية، تولى الطاهر فيها مهمة المقرر والأمين العام. نظمت اللجنة ورشة قومية أوصت بإنشاء برنامج قومي للموارد الوراثية وتطوير الوحدة لتتحول إلى بنك قومي شامل في 1994.
• بنهاية 1995، توسعت الأنشطة لتشمل نحو 2,800 مدخلة من بذور الذرة السودانية المسترجعة من الولايات المتحدة، إلى جانب محاصيل الدخن والبساتين الأخرى، ما شكّل البداية الفعلية للبنك القومي المركزي، مع توسع في المباني والمعدات والتجهيزات المخبرية.
• وفي العام نفسه، قاد الطاهر إعداد أول تقرير وطني عن حالة الموارد الوراثية للغذاء والزراعة، مؤكدًا حضور السودان في الساحة الدولية ومشاركته في مؤتمر الفاو.
• عزّز الطاهر من خلال المؤتمر صلة السودان ببنك الجينات بالسويد وساهم في بلورة شبكة شرق أفريقيا للموارد الوراثية، لتعزيز القدرات عبر التدريب والمعدات والبحوث ورحلات الجمع والتوصيف.
• في إطار الإصلاحات الهيكلية التي أجرتها هبئة البحوث الزراعية عام 1994 والتي ارتكزت على استقلالية البرامج البحثية، أصبح الطاهر رئيساً للبرنامج القومي للموارد الوراثية النباتية، ورئيساً لوحدة الموارد الوراثية، ما منحها الاستقلالية الفنية والإدارية.
• امتدت البنية التحتية والمقتنيات الوراثية لتشمل الذرة والدخن والبساتين، ثم توسعت لاحقاً لتضم السمسم، الكركدي، البامية، الفول، العدس، والعديد من المحاصيل الأخرى، مع إدخال تقنيات التوصيف المورفولوجي (والجزيئي على نطاق محدود) ودراسة مقاومة الآفات والأمراض، مما رسّخ هوية الوحدة كبرنامج قومي مستمر.
• بفضل إصراره وتفاني فريقه، تضاعفت المقتنيات حتى تجاوزت خمسة عشرة ألف مدخل بحلول 2022، مع أكثر من 20 ثلاجة ديب فريزر، ومعامل متعددة، ونظام معلوماتي متطور يشمل قاعدة بيانات شاملة للمحاصيل الوراثية. رغم اعتماد الفريق على عربة قديمة منذ 1987.
• جاءت النقلة المهمة عام 2004 عبر شبكة شرق إفريقيا التي وفرت تمويلاً وميزانية أتاحت شراء عربة جديدة، ما عزز قدرة الفريق على تغطية مواقع السودان المختلفة وإجراء جمع العينات في وقت قصير.
• وفي 2005، وُلد فرع جديد في الأبيض مدعوم من شبكة شرق إفريقيا للموارد الوراثية (EAPGREN) والصندوق العالمي لتنوع (Crop Trust)،ليكون ذراعاً مكمّلاً للمركز الرئيسي في ود مدني، حيث وُضعت آلاف النسخ الاحتياطية من مخزون البذور الأصلي.
• ومن هذه النسخ الاحتياطية، تم تهريب 2,000 عينة سراً خلال الحرب إلى قبو سفاليارد بالقطب الشمالي، لتلتحق بـ2,800 عينة أخرى من البذور السودانية كانت قد سبقتها هناك، لضمان حمايتها بعيداً عن الحروب وتقلبات الزمن.
• كما تم إنشاء بنوك حقلية للموز في كسلا ومزرعة بحثية للتمور في محطة الحديبة، مع إدخال أنظمة للحفظ الميداني للأنواع المحلية لضمان استمرار تنوعها الوراثي.
• في 2012، وبفضل مبادرات الطاهر المتكررة ارتقت الوحدة إلى مركز مستقل باسم مركز بحوث وصون الموارد الوراثية النباتية الزراعية، ومع ربط نظام التوثيق بقاعدة GENESYS في 2017، حُفظت بيانات أكثر من خمسة عشر ألف مدخل وراثي، لتصبح الذاكرة الزراعية للسودان آمنة على مستوى عالمي، حتى بعد أن اجتاحت الحرب مباني المركز في ود مدني.
• وفي 2021 أُدرج المركز ضمن مشروع فرص التنوع الحيوي لأجل سبل العيش والتنمية العالمي (BOLD)، ليصبح واحداً من خمسة عشر بنكاً جينياً قطرياً، تموله وزارة الزراعة النرويجية وينفذه الصندوق الاستئماني الدولي للتنوع المحصولي.
• ويعكس هذا التحول كيف أن ما بدأ كغرفة صغيرة في قسم البساتين أصبح اليوم جزءاً من منظومة عالمية لحماية التنوع الحيوي وصون سبل العيش.
• تقاعد الطاهر عام 2021، تاركاً صرحاً علمياً متكاملاً يضم بنية مادية متطورة وبنية بشرية مؤهلة، مع معامل متخصصة ومكاتب منظمة، وغرف لاستيعاب بنك البذور وبنك الجينات وفق المعايير العالمية.
• احتوى بنك البذور على أكثر من 20 ألف عينة موثقة تنتمي إلى أكثر من 30 جنساً نباتياً، شملت الحبوب، المحاصيل الزيتية، الخضر، الفاكهة، البقوليات والنباتات الرعوية.
• أصبحت بعض هذه الأجناس جزءاً من النظام العالمي لتبادل الموارد الوراثية، ما جعل المركز أحد المساهمين الرئيسيين في النظام الدولي لتقاسم المنافع الخاصة بالموارد الوراثية.
• كما أصبح للمركز كوادر بشرية مدربة تشمل باحثين وتقنيين وفنيين، مع شراكات فنية وإدارية وسياسية مع صندوق أمانة المعاهدة الدولية للموارد الوراثية ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) وتعاون مؤسسي وطني.
• كما أصبح المركز معلماً بارزاً في مسيرة الحفاظ على الموارد الوراثية الزراعية في السودان وجسراً يربط الجهد المحلي بالالتزام العالمي.
• من أبرز مواقف الطاهر، رفضه عام 2009 امتلاك السيارة المخصصة كبقية زملائه لتظل مخصصة لخدمات جمع الموارد الوراثية الميدانية حتى بعد تقاعده في 2021، مظهراً تفانيه في خدمة الصالح العام.
• بعد تقاعده شعر الطاهر بأن انشغاله بإدارة المركز أضاع عليه فرص نشر أبحاثه العلمية وبالتالي فرص الترقي الأكاديمي والإداري. فسعى لتعويض ما فاته من خلال التوثيق والنشر.
• فكتب عن آثار الحرب على المخزون الوراثي، وأصدر دراسات حول محاصيل مختلفة، وشرع في إعداد كتاب يروي قصة نجاحاته وإخفاقاته، معبراً فيه عن امتنانه لكل من دعمه في مسيرته العلمية، من الإدارات المتعاقبة على مستوى الهيئة وقسم البساتين، إلى زملائه الباحثين والعاملين في المركز الذين تفانوا في عملهم بإخلاص وصدق.
• إذا كان فافلوف قد ودّع الحياة مقهورًا في السجن، فإن الطاهر إبراهيم، الذي أطلقت عليه لقب “فافلوف السودان” تقديرًا لدوره الرائد في حفظ التنوع الوراثي، تقاعد مكرّمًا ومحاطًا بالاحترام والتقدير، محافظًا على رسالة علمية جعلت من الإدارة وسيلة لحفظ البذور وذاكرة أمة، وزرع بذور المستقبل للأجيال القادمة.
عبد العظيم ميرغني
كلمة وفاء وتقدير لمسيرة الدكتور الطاهر إبراهيم (أبو مي)


