نصيب الفرد من الأشجار أم نصيب الفرد من الخُضرة

هذا العنوان يعيد إلى ذاكرتي واحدة من الندوات البيئية البارزة التي شهدتها الخرطوم. فقد أثار بروفيسور محجوب ضجة واسعة حين كتب منشورًا ناقدًا لما وصفه بـ "جريمة تشذيب الأشجار" التي قامت بها محلية الخرطوم،

نصيب الفرد من الأشجار أم نصيب الفرد من الخُضرة؟

أ.د طلعت دفع الله عبد الماجد

منطقة تاندك .. أبوجبيهة .. جنوب كردفان

 

*نصيب الفرد من الخضرة*

هذا العنوان يعيد إلى ذاكرتي واحدة من الندوات البيئية البارزة التي شهدتها الخرطوم. فقد أثار بروفيسور محجوب ضجة واسعة حين كتب منشورًا ناقدًا لما وصفه بـ “جريمة تشذيب الأشجار” التي قامت بها محلية الخرطوم، مبينًا أن ما جرى لم يكن تشذيبًا بالمعنى العلمي، بل أقرب إلى إبادة منظمة للأشجار. وبعد تفاعل الرأي العام مع القضية، تحركت الجمعية السودانية لحماية البيئة بالتعاون مع جمعية حماية المستهلك لتنظيم ندوة حاشدة في الفندق الكبير على شارع النيل.

في تلك الندوة قدّم كل من البروفسير حسن عثمان عبد النور وطلعت دفع الله عبد الماجد أوراقًا علمية تناولت أهمية نصيب الفرد من الخضرة وشرحًا للطرق السليمة والعلمية في تشذيب الأشجار دون الإضرار بها. أدار الندوة بالتناوب العلّامة الراحل بروفيسور معتصم نمر والدكتور نصر الدين شلقامي، اللذان جمعا بين الخبرة والحكمة، فقادا النقاش بكفاءة واقتدار نالا إعجاب الحاضرين.

أستعيد هذا السرد التاريخي لأفتتح به مقالي، مذكرًا بأهمية مفهوم نصيب الفرد من الخضرة، ليس كقضية جمالية فقط، بل كمسألة ترتبط مباشرة بجودة الحياة وصحة الإنسان واستدامة البيئة.

*ما الذي يعنيه ذلك لمدن وريف السودان؟*

في المدن المؤشر الأهم هو نصيب الفرد من الخُضرة (متر مربع مساحات خضراء عامة لكل شخص) مع قياس سهولة الوصول لهذه المساحات داخل الحي. هذا ما تتابعه مؤسسات الأمم المتحدة ضمن المؤشر 11.7.1.

رقم الأشجار للفرد (كم شجرة مقابل كل مواطن على مستوى السودان كله) يمكن استخدامه للتوعية العامة، لكنه لا يعبّر عن جودة الحياة الحضرية أو عدالة توزيع المساحات الخضراء داخل الأحياء.

تقديرٌ وطني تقريبي مستند إلى الجرد الغابي الأخير 2020 يشير إلى قرابة 59 شجرة للفرد (للأشجار الكبيرة ذات القطر ≥ 10 سم). هذا مفيد للتواصل، لكنه لا يغني عن رفع الخُضرة قرب الناس داخل المدن والبلدات.

*1) ما المقصود بكل مؤشر؟*

*أ) نصيب الفرد من الخُضرة (حضريًا)*

هو مجموع المساحات الخضراء العامة والمفتوحة للاستخدام (حدائق، ميادين، كورنيشات…) ÷ عدد السكان داخل النطاق الحضري = م²/فرد.

يُفضَّل قياس الإتاحة أيضًا: ما نسبة السكان القاطنين على بُعد 300–400 متر من مساحة خضراء مناسبة؟

لماذا يهم؟ لأن المتر المربع الأخضر القريب يؤثر مباشرةً في الصحة النفسية والجسدية، ويُلطّف الحرارة، ويحسّن جودة الهواء، ويشجّع المشي والنشاط.

*ب) الأشجار للفرد (وطنيًا)*

هو عدد الأشجار في البلد مقسوم علي عدد السكان. رقم كبير وجذّاب للتوعية، لكنه يتأثر بتعريف “الشجرة” وطرق العدّ، ولا يبيّن إن كانت الخضرة قريبة من بيوت الناس أم بعيدة في مناطق قليلة السكان.

إذا أردنا تحسين حياة السودانيين في المدن والبلدات، ينبغي التركيز على المساحات الخضراء العامة القريبة ومتابعة مؤشرات الوصول والعدالة، لا الاكتفاء بعدّ الأشجار على مستوى البلاد.

غابة القصر .. كادقلي

 

*2) مرجعيات عملية مبسطة*

مرشد شائع الاستخدام في التخطيط الحضري: الوصول إلى ≈ 9 م²/فرد كحد أدنى من المساحات الخضراء العامة (والأفضل أعلى بحسب حرارة المدينة وكثافتها).

قاعدة 3–30–300 المساعدة في التخطيط المحلي:

رؤية 3 أشجار من كل منزل،

تحقيق 30% غطاء شجري على مستوى الحي،

وجود مساحة خضراء على مسافة ≤ 300 م من كل ساكن.

هذه ليست قوانين، بل أدوات إرشادية قابلة للتكييف مع ظروف السودان.

*3) أين نقف في السودان؟ صورتان مختلفتان*

أ) الصورة الوطنية (الغابات والأشجار عمومًا)

الجرد الغابي القومي الأخير قدّر إجمالي الأشجار الكبيرة (قطر ≥ 10 سم) بحوالي 3 مليارات شجرة، ومتوسط الكثافة بنحو 81 شجرة/هكتار داخل مناطق الغابات.

بقسمة هذا الإجمالي على تقدير السكان لعام 2024، ينتج ≈ 59 شجرة للفرد (تقريبًا).

فائدة الرقم: توعوية على المستوى الوطني. حدوده: لا يوضّح أين توجد الخضرة بالنسبة لأماكن سكن الناس.

*ب) الصورة الحضرية (داخل المدن والأحياء)*

الأهم هنا: كم مترًا مربعًا من الخضرة العامة لكل شخص؟ وهل معظم السكان قريبون من حديقة يمكنهم بلوغها مشيًا لمسافة 300–400 م؟

كثير من مدننا تعاني نقصًا واضحًا في المساحات الخضراء المتاحة والظلّ في الشوارع والأسواق والمدارس، مع تفاوتٍ بين الأحياء.

*4) كيف نتحدث للجمهور والاختصاصيين؟*

استخدموا لغة المؤشر الحضري: م²/فرد + سهولة الوصول.

قدّموا رقم الأشجار للفرد بصفته رقمًا توعويًا واذكروا حدوده بوضوح.

شدّدوا على أن المطلوب ليس “غرسًا أكثر” فقط، بل «بقاء أكثر» وقُربًا أكثر وعدالة أكبر في توزيع الخُضرة.

*5) خارطة طريق سريعة لقياس «الخُضرة للفرد» في مدن السودان*

اختيار مدن تجريبية (مثل الخرطوم، ود مدني، الأبيض، القضارف، بورتسودان…).

تحديد حدود البقعة الحضرية رسميًا لكل مدينة.

حصر المساحات الخضراء العامة القابلة للاستخدام وتصنيفها.

حساب المساحة الخضراء/فرد (م²/فرد) داخل النطاق الحضري.

تحليل إتاحة الوصول: نسبة السكان على بُعد 300–400 م من مساحة خضراء.

إعلان خط أساس وخطة سنوية لزيادته، ومتابعة التقدّم سنويًا.

*6) حزمة تدخلات عملية مقترحة*

أ) خضرة قريبة من الناس (حضريًا)

حدائق جيبية صغيرة داخل الأحياء، وتوسيع برنامج «المدارس الخضراء» (أشجار ظل، ري بالتنقيط البسيط، مناطق لعب مظللة).

أحزمة ظلّ في الشوارع والأسواق ومحطات المواصلات باستخدام أنواع محلية متحملة للجفاف، مع حماية للشتلات في أول عامين.

اعتماد حوافز مقابل البقاء: مكافآت للمجموعات التي تحقّق نسب بقاء أعلى بعد 12 و24 شهرًا.

ب) في الريف وأطراف المدن

تعميم نهج الإدارة الطبيعية المُحسَّنة للأشجار (FMNR): إحياء الجذور والبراعم الموجودة بالتقليم والحماية بدلاً من الاعتماد الكلي على الغرس المكلف والريّ الكثيف.

ربط الغرس بـ مصادر مياه صغيرة (هلاليات، حواجز ترابية منخفضة) وتغطية التربة لتقليل التبخر.

ج) قياس صحيح قبل التوسع

تبنّي قالب المؤشر الحضري (م²/فرد + الوصول) لعمل خط أساس واضح، ثم تحديثه سنويًا.

د) تعبئة المجتمع المدني والشراكات

البناء على خبرات منظمات وطنية فاعلة في التشجير والتوعية، وربط جهودها بمؤشرات واضحة للبقاء والوصول، مع تنسيق وثيق مع الهيئة القومية للغابات والبلديات ومنظمات المجتمع المدني.

*7) دور المجتمع المدني: أمثلة سودانية حيّة*

جمعيات بيئية راسخة: الجمعية السودانية لحماية البيئة، ام الجمعيات الطوعية في السودان ومصدر الهامها لها خبرة ممتدة في حملات التشجير المدرسي والحواري، والتثقيف، وإعداد مواد تدريبية، والمشاركة في صياغة سياسات وطنية.

مبادرات مجتمعية – جمعية فلاحة البساتين السودانية، حركة السودان الأخضر منظمة بيئتي واعلاميون من اجل البيئة وغيرها من المنظمات والجمعيات: برامج “بنك البذور”، الزراعة المنزلية، حقول إرشادية، نشر رسائل إعلامية مبسطة يمكن دمجها في برامج المدن الخضراء وحوافز «الشجرة الباقية».

*8) قائمة مصادر مختصرة (نص فقط، بلا روابط)*

الجرد الغابي القومي للسودان 2020/2021: مساحات الغابات، الكثافات، وتقديرات إجمالي الأشجار ذات الأقطار الكبيرة. الهيئة القومية للغابات ومنظمة الفاو

البنك الدولي (بيانات السكان ونسب الغابات على المستوى القطري).

منهج المؤشر الحضري 11.7.1 (موئل الأمم المتحدة): حساب المساحات العامة المفتوحة وإتاحة الوصول.

أدلة الصحة العامة والبيئة الحضرية (منظمة الصحة العالمية): فوائد المساحات الخضراء على الصحة وتلطيف حرارة المدن.

قاعدة التخطيط الحضري 3–30–300: توجيه عملي لزيادة الغطاء الشجري وإتاحة الوصول.

أدبيات الإدارة الطبيعية المُحسَّنة للأشجار (FMNR) وتجارب السافنا الجافة في الساحل الإفريقي.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English