كدركة بين اتهامات القطع الجائر ورد إدارة الغابات بالولاية الشمالية

أ.د.طلعت دفع الله عبد الماجد
انتشر مؤخرًا مقطع فيديو واسع التداول يُظهر حسب ما أورده صاحب الفيديو إنه قطع جائر للأشجار في غابة كدركة بالولاية الشمالية. أثار الفيديو ردود فعل واسعة وحالة من القلق لدى المواطنين المهتمين بالبيئة. وكتبت مقالا في ذلك وعلى إثر المقال الذي كتبته تعليقًا على هذا الفيديو، تواصل معي الأستاذ عثمان آدم بابكر، مدير غابات الولاية الشمالية، موضحًا الحقائق من وجهة نظره.
يقول مدير الغابات إن غابتي كدركة وبركة الملوك تعتمدان على الري الفيضي، لكن منذ عام 2014 لم تصل إليهما مياه الفيضان، ما جعل أشجارهما تعاني العطش والجفاف. وأوضح أن الإدارة رفعت برنامجًا لجمع الأشجار الساقطة للعام 2025، وتم الإعلان عنه عبر التلفزيون والإذاعة لمدة 18 يومًا، ثم جرى فرز العطاءات بشفافية عبر لجنة تضم ممثلين من وزارة المالية، الأمن الاقتصادي، المستشار القانوني، ومنسوبي الغابات. وأضاف أن العقد وُقع مع الفائزين يوم 21/7/2025، وما يُنفذ حاليًا هو جمع للأشجار الساقطة فقط، دون أي قطع للأشجار الخضراء.
ويؤكد المدير أن الكميات الكبيرة من الأشجار الساقطة تُشكل تحديًا كبيرًا، وأنه لولا هذا البرنامج لكانت عرضة للسرقة سواء من المواطنين أو من بعض أفراد الجيش الذين هددوا من حاول منعهم، وقد تم رفع الأمر للجنة الأمنية. ويرى أن غابة كدركة إذا لم يصلها فيضان هذا العام، ستتحول بأكملها إلى أشجار ساقطة، بينما يمكن لغابة بركة الملوك أن تصمد حتى العام 2026. وحذّر من أن استمرار الوضع الحالي من دون حفر آبار أو مشاريع ري بديلة سيؤدي إلى فقدان هذه الغابات.
أما تعقيبي على حديث مدير الغابات، فيتمثل في أن استغلال بعض أفراد القوات النظامية لنفوذهم يظل قضية جوهرية. فقد أثبتت دراسات التقييم الاستراتيجي البيئي والاجتماعي لبرنامج خفض الانبعاثات الناتجة عن إزالة وتدهور الغابات أن القوات النظامية بمختلف فئاتها تُعد من أبرز مسببات التعدي على الغابات في السودان، وهذا أمر بات معروفًا حتى لعامة الناس.
تاريخيًا، هذه الولاية تُعتبر من مناطق الشدة بالنسبة لموظفي الخدمة المدنية. واليوم تعاني إدارة الغابات الولائية من ضعف الإمكانيات، وانعدام وسائل الحركة والآليات، ونقص في الحراس والمعدات. ومن دون دعم خارجي وتمويل كبير، لن تتمكن هذه الإدارة من إعادة إعمار غابتي كدركة وبركة الملوك.
لقد كانت هذه الغابات تُعرف سابقًا بالغابات النيلية لقربها من النيل، لكن الوضع تغيّر كثيرًا بعد قيام سد مروي وتراجع الفيضانات. إنقاذ هذه الغابات اليوم يتطلب حفر آبار وتوصيل قنوات من النيل، وهو عمل يفوق طاقة الإدارة الولائية. وكان من المتوقع أن يمهّد مشروع “الغابات النيلية” الممول من المرفق العالمي للبيئة الطريق لمنظمات دولية أخرى كي تشارك في استعادة هذه الغابات، لكن الحرب عطّلت كل هذه المساعي.
الحقيقة المُرّة
الواقع على الأرض أن غابة كدركة تعاني من تدهور خطير. توقف الفيضانات لثماني سنوات متتالية أدى إلى جفافها، وفقدان التنوع الاحيائي أصبح مقلقًا، مع ما لذلك من انعكاسات على الأنواع، وخدمات النظم البيئية، وحياة الناس الذين يعتمدون عليها. الأشجار الكبيرة والمسنّة من الطلح (Acacia seyal) تساقطت بكميات ضخمة بفعل الجفاف والآفات، ومع الأعشاب الجافة أصبحت وقودًا للحرائق المتكررة. وبالنظر للغابة يمكن تمييز مساحات واسعة تحولت إلى رماد، وفجوات كبيرة خلفتها الحرائق وسقوط الأشجار.
إنقاذ هذه الغابات يحتاج إلى موارد مالية وبشرية وفنية كبيرة، وخطة إدارة عاجلة، تُبنى على مشاركة المجتمعات المحلية في الحماية والتعمير. تجربة منظمة الفاو في مشروع تجريبي عام 2019 في كدركة , وجلسات التشاور التي قمنا بها بخصوص مشروع الغابات النيلية أثبتت أن السكان لديهم الاستعداد والالتزام لحماية الغابة متى ما وجدوا الدعم المناسب، وقد تحسّن وعيهم بقيمة الغابات ومواردها، وبرز التزامهم بالمشاركة في إدارتها.

ما بين رواية المواطن في الفيديو، ورد مدير الغابات، والحقائق التي تفرضها الدراسات الميدانية، يبقى المؤكد أن غابة كدركة مهددة بالزوال إن لم تتوفر حلول عملية عاجلة.
ليست القضية مجرد أشجار تُقطع أو تسقط، بل هي منظومة بيئية واجتماعية واقتصادية متكاملة مهددة بالانهيار إذا فقدنا ما تبقى من غابات الولاية الشمالية. هذه الغابات، على ضعفها وقلة مساحتها، تمثل خط الدفاع الأخير في منطقة تُعد من أفقر ولايات السودان في الغطاء النباتي وأكثرها عرضة للتصحر وزحف الرمال. إن ضياعها يعني فقدان مصدر حيوي للوقود والظل والمراعي، وتراجع الأمن الغذائي، وانكشاف المجتمعات المحلية أمام أخطار بيئية متزايدة.
المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بردود الأفعال، بل الانتقال إلى عمل جاد وخطة وطنية متكاملة للإنقاذ، تقوم على الرؤية العلمية، وتستند إلى شراكات فاعلة بين الدولة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية. هذه الخطة يجب أن تشمل مشاريع عاجلة للري وحماية التربة، وبرامج مستدامة لإعادة التشجير، وحوافز حقيقية لمشاركة المجتمعات في الحماية والتعمير.

رسالة ونداء إلى أهل المنطقة بكدركة وحكومة الولاية الشمالية
الغابة ليست ملكًا للحكومة وحدها، بل هي أمانة في أعناقنا جميعًا؛ هي حياتنا اليوم وضمان حياة أبنائنا غدًا. ليست مجرد مورد يُستنزف، بل هي ركيزة حياة لأهل المنطقة وضمان لمستقبل الأجيال القادمة في السودان من المهم أن نحرص، كلٌ من موقعه، على حمايتها من القطع الجائر والحرائق والإهمال. حماية الغابات مسؤولية جماعية وتمتد إلى تعاون المزارعين والرعاة والشباب والنساء في صونها وزراعتها، فلنقف جميعًا صفًا واحدًا لحمايتها وتعزيزها.


