الوضع الراهن للغطاء الغابي في الولاية الشمالية، مع التركيز على غابتي كدركة وبركة الملوك
أ.د .طلعت دفع الله عبد الماجد

إنه لمن المحزن حقًا أن نشهد التدهور الجسيم في غابة كدركة، التي تعد واحدة من أهم الغابات المحجوزة في الولاية الشمالية للسودان. في عام 2014، كُلفتُ من قبل منظمة الأغذية والزراعة (FAO) بدراسة ميدانية هدفت إلى تقييم المشروع المحلي الخاص بتعمير الغابة عبر الجمع بين زراعة المحاصيل والأشجار.
بينما كانت النتائج إيجابية من حيث الدوافع المجتمعية، كشفت الدراسة عن مواطن ضعف بارزة: غياب معايير علمية واضحة لاختيار المزارعين، وضعف الإطار القانوني الذي ينظم علاقة الهيئة القومية للغابات بالسكان المحليين فيما يخص تقاسم المنافع.
بعد مرور عامين، كُلفت بتقييم أولي أوسع شمل غابة كدركة ضمن مشروع تأهيل الغابات النيلية الذي يمول من المرفق العالمي للبيئة. أسفرت تقاريري حينها عن تقييم متوسط: الغابة في حالة تأهب، لكنها تحتاج إلى جهود ضخمة لإعادة إحيائها.
حاليًا، تُعاني غابتا كدركة وبركة الملوك التابعتان للهيئة القومية للغابات من قطع جائر للأشجار وتعديات متواصلة، خصوصًا في ظل قربهما من تجمعات سكانية مكتظة تُسهل الوصول إليهما واستغلال مواردهما.
وللأسف، زادت معدلات قطع الأشجار حدة مع انتشار الفيديو الذي نشره هذا المواطن الناشط البيئي والغيور علي منطقته، في ظل غياب فعلي للحماية وقلة الإمكانات لدى سلطات الغابات، بالإضافة إلى استفادة الأهالي من الحطب بديلًا عن الغاز المتمتع بندرة شديدة.
الاعتماد المفرط على الحطب والفحم دافعًا رئيسيًا لتدمير الغابات في السودان، خاصة في الريف وحتى حول الأحياء الحضرية، من دون وجود بدائل واقعية أو دعامات مؤسساتية تعزيزية. وتوسّع التصحر كنتيجة مباشرة لمثل هذه الممارسات المدمرة
في هذا السياق، تبدو الولاية الشمالية من أكثر الولايات هشاشة في الغطاء النباتي وأشدّها عرضة للزوال، ويعد فقدان غابات مثل “كدركة” و”بركة الملوك” مؤشّر خطر وبارقة تحذير من تصاعد التصحر وتدهور الموارد الطبيعية في المستقبل القريب إذا لم تتخذ الإجراءات الوقائية.


