غرائب وتشريعات: الغابة بين الدولة والمجتمع في السودان

الغابة هي غابة، والشيطان هو شيطان.• وفي رواية أخرى، الغابة مثل الشيطان، تحمل في طياتها الكثير من الغرائب. ومن أغرب غرائبها التشريعات.

غرائب وتشريعات: الغابة بين الدولة والمجتمع في السودان

د.عبدالعظيم ميرغني

• الغابة هي غابة، والشيطان هو شيطان.

• وفي رواية أخرى، الغابة مثل الشيطان، تحمل في طياتها الكثير من الغرائب. ومن أغرب غرائبها التشريعات.

• والتشريعات عموماً ليست هي مجرد نصوص قانونية، بل مرآة للمجتمع، وبمثابة حمضه النووي الذي يعكس قيمه الأساسية وأولوياته.

• من هذا المنظور تتبدى طرافة بعض التشريعات السودانية وغرابتها، مثل قانون الكبريت الذي اشترط الحصول على تصريح رسمي لحيازته، وقانون الدلوكة الذي منع ضربها في المناسبات دون إذن مسبق.

• فضلاً عن قوانين أخرى تبدو غريبة كقانون الشلوخ وقانون الكلاب وحظر ارتداء الجلابيب البيضاء في بعض المناطق الحدودية.

• ومن هذه الغرائب التشريعية المؤقتة ننتقل إلى غرائب أكثر تأثيراً وشمولاً، كغرائب قانون الغابات التي قلبت المبدأ القانوني العالمي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، رأساً على عقب، إذ جعلته مداناً حتى يثبت براءته.

• فقد خوّل القانون لأي موظف غابات أو أي مواطن، أن يوقف ويسائل من يحمل عصاً من الخيزران، أو يمتلك زريبة فحم، أو شاحنة محملة بأخشاب، لإثبات مشروعية حيازته.

• ولم يكن هذا التخويل كإجراء مجرد استثناء، بل جزء من نهج تشريعي مستمر منذ بدايات الحكم الثنائي (1898) وحتى آخر قانون في العام 2002.

• من أبرز الأمثلة على ذلك قانون الصمغ العربي الصادر في أربعينات الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، الذي حوّل سلعة الصمغ التقليدية إلى احتكار حكومي صارم، إذ حرَّم بيعه المباشر إلا عبر القنوات الرسمية.

• فكان من آثار ذلك، اقتصادياً واجتماعياً، ظهور سوق سوداء للصمغ وظاهرة تهريبه، وتوتر العلاقة بين الدولة والمجتمع.

• ولم يختفِ نهج السيطرة على الموارد بعد الاستقلال، إذ تجلى مجددًا في أمر وزارة التجارة بتاريخ 11 مارس 2004، الذي طالب جميع منتجي وتجار الصمغ العربي بالإبلاغ عن كميات الصمغ لديهم خلال أسبوعين لدى الوزارة أو الجمارك أو الأمن، وهو ما خالف حرية التجارة الداخلية.

• ومن السمات الثابتة لتشريعات الغابات: أولاً، سمات الحمائية ومركزية الدولة والبعد الاقتصادي، إذ اعتبرت الدولة الغابة مورداً سيادياً ومخزوناً اقتصادياً من الأخشاب والصمغ وخلافه، أكثر من كونها منظومة بيئية أو إرثاً اجتماعياً.

• ثانياً، تهميش المجتمعات المحلية، إذ غلبت العقوبات والغرامات على آليات المشاركة، ولم يُعترف بدور المجتمعات إلا عام 1986.

• ثالثاً، إلزامية التشجير، وهي سياسة رُسّخت منذ الثلاثينات، وجسدت في قانون 2002 الساري بإلزام تشجير نسبة 5% من المشاريع المروية و10% من المطرية، كجزء من الموازنة بين الزراعة والغابة.

• رابعاً، الارتباط الوثيق بالأرض، فمنذ صدور قانون تسوية وتسجيل الأراضي لسنة 1925، ترسّخت صلة الغابة بملكية الأرض وحدودها، مما جعل الصراع على الأرض جزءاً من السياسة الغابية.

• خامساً، البعد السياسي المستمر من الحكم الثنائي إلى الحكومات الوطنية، فقد ظل جوهر السياسات الغابية ثابتاً في الحجز والحماية الصارمة للغابة، مع تغيّر الشعارات فقط.

• يمكن القول إن الإطار القانوني للغابات ظل على الدوام محكوم بثلاثة عوامل رئيسية: الخوف من فقدان الموارد، وطبيعة الدولة المركزية، وتهميش المجتمعات الريفية. ومن تفاعل هذه العوامل الثلاثة تشكّل الإطار الذي ما زال يطبع سياسة الغابات في السودان حتى اليوم.

• خاتمة القول، ليست الغاية من هذا المقال هي استعادة تاريخ التشريعات الغابية فقط، بل فهم كيف صاغت هذه التشريعات علاقة السودان بالغابة والدولة والمجتمع.

• ويبقى السؤال اليوم: أي تشريع قادر على تحويل الغابة من مورد محجوز إلى شراكة فعلية ومستدامة، تضمن المنفعة المشتركة وحماية البيئة؟

آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

عبد العظيم ميرغني

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English