أنا وزندا جينا سوا
د.عبدالعظيم ميرغني ابراهيم
• ليست هذه حكاية عن ثور هولندي هبط من السماء في طائرة خاصة، ولا عن كلب اسمه “جاموس” وقف أمام قاضٍ يقرّر مصير حياته، ولا حتى عن وحيد قرن أبيض غادر السودان في صمت، كما يغادر الكبار بلا وداع ولا ضجيج.
• هي حكاية عن الصداقة، عن ذاك الفتى الذي ظل في الذاكرة كما كان في الحياة: بسيطًا، نبيلاً، طيّب المعشر… أحمد عبد الله حميدة، الشهير بـ”أبشنب”. كان رفيق الصبا، وزميل مقاعد بخت الرضا، وقد حدثتكم عنه من قبل، ولعلكم لا تزالون تذكرونه.
• هو ذاك الصديق العزيز، الذي جمعتني به ذكريات لا تُنسى، وسردناها معاً ذات يوم في مذكرات مشتركة، توثق لتلك الأيام الجميلة التي قضيناها في رحاب بخت الرضا.
• هو نفسه، حين كان مسؤولاً عن استلام شاي الصباح ونحن في داخلية الثانوية العامة، جاءه السفرجي ذات صباح باكر يُبلغه بأن لبن الشاي “قد قَطَّع” – بالطاء المهملة المشددة. لم يتعامل مع الأمر كبقية الزملاء الذين يستثمرون مثل هذه الحوادث لإبداء البطولة وافتعال الغضب، بتجريم الإدارة أو توجيه اللوم هنا وهناك، بل سلك مسلكه المعتاد… غريباً، هادئاً، لا يخلو من طرافة.
• سأل السفرجي، وقد “تقطّع” لبن شاي الصباح: كم يلزمك من الحليب الجاف؟ أجاب السفرجي: جنيه واحد.
فتح أبشنب حقيبته المعدنية المصنوعة من الصفيح، وفتّش ما فيها، فلم يجد سوى خمسة وسبعين قرشاً: ورقة خمسين، وأخرى طرادة… ذلك كل مصروفه.
• ناولهما للسفرجي، وقال بخفة ظل لا تخلو من حيلة: الباقي… تمو موية!
• وهكذا، ومن غير أن نشعر أو ندري، ضيع علينا العزيز أبشنب فرصة ذهبية للإضراب.
• أن نشرب الشاي صباحاً أحمر، مجرّدًا من الحليب في تلك الأيام وننتظم في الدراسة، كانت عندنا جريمة لا تغتفر، وتقصيراً إداريًا يستوجب المحاسبة! وجزاؤه، كما درجت تقاليدنا غير المكتوبة، الإضراب الفوري والتوقف عن الدراسة، حتى تعود الحياة “ملبن” كما كانت.
• ويا للمفارقة، فأحمد، هذا الصديق أبشنب، هو نفسه الذي حينما كنا في الثانوية العليا انتخبناه رئيساً لاتحادنا، غير أن الرياح ما جرت كما اشتهينا، ففصل من المدرسة ظلماً وتشفياً، على خلفية إضراب شهير ملأ الزمان والمكان صدى.
• لم يكن أبشنب من صانعي هذا الإضراب ولا من طابخيه، لكنه حين أصبح واقعاً لا مناص منه، نهض به كرئيس للاتحاد.
• ومرّت الأيام… وبعد وساطات عديدة، انتقل أبشنب لمواصلة الدراسة في الخرطوم. وهناك، بدأت تتكشّف له الحقائق.
• اكتشف أن الإضراب الذي قاده — وكان سبباً في فصله — لم يكن كما ظنّه يوماً: مجرد احتجاج مطلبي يخص السكن، أو تحسين بيئة الداخلية، أو نقص في الأسرة، أو حتى اختفاء مواد تبرعت بها جهات للداخليات ثم استحوذت عليها الإدارة دون علم الطلاب
• بل تبيّن له أن خلف ذلك كله شيء أكبر… وأنه، دون أن يدري، كان طرفاً فيما هو أعقد من مجرد احتجاج طلابي.
• اكتشف وهو الذي لم تكن له علاقة بالأمور السياسية، أنه كان أحد صناع ثورة شعبان، وعلم من حسين خوجلي، رئيس اتحاد مدارس العاصمة إبان ثورة شعبان، في اجتماع أثناء هذه الثورة، أنه هو من أشعل شرارة الإضرابات التي انتظمت المدارس والجامعات. كل ذلك وهو لم يكن يدري.
• بالأمس، حين نشرتُ مقالي عن “إنجاليفو” — وحيد القرن الأبيض، ذاك الذي غادرنا كما يغادر الكبار: في صمت، بعيدًا عن الأضواء، لفت المقال انتباه “أبشنب، وأثار في نفسه ذكريات قديمة.
• فراح يعلّق بقصص من أرشيفه، قصصٍ تحمل بين سطورها رمزية عميقة لبلادة الإحساس العام تجاه الحيوان، وعدم الاكتراث بمصيره، كأنه كائن زائد على الحياة.
• قال أبشنب: كان آباؤنا في منطقة الصوفي بشمال بحر أبيض، يروون حكاية عن رجل عُرف بالحكمة، لكن تصرفاته كانت – في الغالب – مثيرة للسخرية.
• قالوا: كان له كلب اسمه “جاموس”، وذات مرة، ضاق أحد المتضررين ذرعاً بأفعال “جاموس”، فرفع شكوى رسمية، متهماً جاموس بسرقة بعض البهم (صغار الغنم) أكثر من مرة.
• نظر الناظر في الأمر، وبعد أن تبين له تكرار التعدي، أصدر قراراً حاسماً: يقتل “جاموس” رمياً بالرصاص، جزاءً لما اقترف من سرقات.
• فاعترض صاحب الكلب على القرار بشدة، وتقدم بطعن أن الناظر قد تجاوز صلاحياته، فليس من حقه أن يصدر حكماً بالإعدام على “جاموس”.
• بل ذهب أبعد من ذلك، مطالباً بإحالة القضية إلى الحاكم العام، باعتبارها مسألة سيادية تمس حياة كائن حي يحمل اسماً كبيراً لا يليق أن يُفصل في مصيره برصاصة من بندقية محلية!
• وبالفعل، أحجمت الشرطة عن تنفيذ أمر الناظر، بحجة أن القرار يفتقر إلى الغطاء القانوني اللازم، فما كان من الناظر إلا أن دعا لعقد جلسة خاصة وعاجلة، للنظر في قضية “جاموس”.
• فكان السؤال: وماذا نفعل بكلب اسمه “جاموس”؟ فقال صاحب الكلب: إن كنتم ترون في “جاموس” خطراً، فإما أن يكون القرار عاماً يشمل قتل الكلاب جميعاً بلا تمييز، وإما أن تثبت الجريمة على “جاموس” وحده، بالشهود العيان العدول وأداء القسم أمام المحكمة.
• فأجابه الناظر، وقد عقد حاجبيه وقال بمنطق السوق والسلطة: طيب… لو حلف الشهود أنه سرق البهم وأكلها، تدفع أنت قيمتها.
• فرد صاحب “جاموس” رداً قاطعاً: أبداً… أنا لست من سيدفع، “جاموس” يتحمّل الحكم، وجريمته تأخذه.
• ورغم أن الحكاية تحولت بمرور الزمن إلى مثلٍ يتداوله الناس –جاموس جريمته تاخده– إلا أن الحكاية، في جوهرها، تكشف عن رجل سبق زمانه، وكان من أوائل من تنبهوا، بفطرته البسيطة، إلى مبدأ أساسي من مبادئ العدالة وحقوق الحيوان: ألا يعاقب بريء بجريرة غيره، وألا يُحمَّل صاحبه تبعات ما لم يفعل.
• قصة “إنجاليفو” استحضرت في ذهن صديقي أبشنب حكاية أخرى، لا تقل عنها دلالة. هي قصة “زندا”.
• ذلك الثور الشهير الذي تبرعت به هولندا لمعهد بخت الرضا، في إطار مشروع طموح لتطوير تربية الأبقار وتحسين السلالات.
• ورغم الفارق في النوع والبيئة، إلا أن بين قصة “‘إنجاليفو” والثور الهولندي زندا وشائج خفية.
• فكلاهما يتقاطع عند مفترق العلاقة بين الإنسان والحيوان—بين العناية والإهمال، وبين الحماية والتغاضي، وبين الحيوان ككائن حي له حقوق، وكوسيلة نفع اقتصادي أو رمز بيولوجي.
• وإن كان “إنجاليفو” قد اختفى في غموض مؤلم، فإن زندا عاش فترة تحت دائرة الضوء، لكنه اندثر أيضاً في ذاكرة لم تُعِر الحيوان ما يستحق من التوثيق.
• جاء “زندا” – فحل هولندا المدلل – في طائرة خاصة إلى مطار الخرطوم، ومنها بعربة مخصصة إلى بخت الرضا، كأنما هو مبعوث ملكي لا ثور.
• وكان من معالم المؤسسة، يقصده الزوار في عيد بخت الرضا، كما يؤمّون المعارض والعروض.
• لكن السنين مضت، وتقدم العمر بزندا، فانخفض عطاؤه، ولم يعد يُنتظر منه تحسينٌ لسلالة. وبدلاً من التقاعد الكريم، سُخّر لجر “عربة الصحة – تلك العربة القديمة التي تُستخدم في نقل النفايات والفضلات الآدمية.
• وما هي إلا أيام، حتى خارت قوى زندا، وتوقف بثقله عند العقبة في الطريق. فاجتمع المعنيون وقرّروا ذبحه.
• لكن المفارقة الكبرى جاءت حين اعترضت السلطات الصحية على القرار، إذ أن الثور الهولندي، بعد سنين الخدمة والجرّ في عربة “العَزْرة” الفضلات الآدمية، لم يعد صالحاً للاستهلاك الآدمي!
• قُيّد زندا إلى الميدان العام، منهك الجسد، واهن الخطى، ليشهد الناس فصلاً أخيراً من حكايته الغريبة.
• احتشدوا ليروا الفحل الهولندي، الذي جاء بطائرة ونزل بعربة خاصة، وهو واقف بجسده المتهالك يستقبل طلقة الرحمة.
• هكذا، بعد كل ما كان من العزّ والفتوة، انتهى إلى موت علني بطيء، كأنما ليذكّرنا أن المجد حين يكون للحظة نفع، لا يضمن كرامة عند الغروب.
• ولا أدري – والله – يقول أبشنب، إن كانت هولندا قد سألت يوماً عن أحفاد زندا؟ أو تساءلت عن أثره في أبقار الحسانية والشنابلة، في تلك المنطقة التي كانت هدفاً لمشروع تحسين السلالات؟
• الطريف أن صديقي “أبشنب”، قبل أن يروي لي هذه القصة لأرويها لكم، كان قد قصّها في مناسبة احتفالية لعجائز المغتربين حيث يقيم في المهجر، واختار لها عنوانًا ظريفًا: “ضُرب مثلٌ… فاستمعوا له!”
• ولعل أطرف ما بلغ “أبشنب” من هذه القصة أيضاً ما يُروى – على سبيل السخرية – عن أحد السائقين في بخت الرضا. يُقال إنه موسى عبد الغفار، ذاك الاسم المألوف لنا من صفحات المناهج. وقد تقدّمت به السن، فأصبح رئيساً للسائقين، ثم بلغ المعاش، وطُلب منه إخلاء المنزل.
• كان موسى من أبناء شمال السودان، وفد إلى بخت الرضا شاباً يافعاً في بدايات المشروع التربوي. وحين واجهه العميد بقرار الإخلاء، ردّ بمرارةٍ ساخرة: أنا وزندا جينا سوا… أنا ما بطلع من البيت دا إلا زي ما طلع زندا!
آمالي في حسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني


