قراءة نقدية في كناب
الأمن المائي السوداني وحوض النيل

بقلم :د.عبدالعظيم مرغني ابراهيم
• ما ذُكر الماء وإلا حضرت الخضرة، ومن مأثور القول: “الماء والخضرة، والذي هو أحسن”، بصيغة أبي الغابات كامل شوقي.
• السؤال: ما هو موقع الخضرة والذي هو أحسن بيئياً في رؤية البروفيسور سيف الدين حمد مؤلف الكتاب؟
• يُعرف الكتاب الأمن المائي بأنه ضمان الوصول المستدام إلى كميات كافية من المياه ذات جودة مقبولة لجميع السكان، بما يحقق الرفاه ويُلبّي احتياجات الصحة، والزراعة، والمعيشة، والإنتاج، مع الحد من التلوث المنقول بالمياه، وصون النظم البيئية.
• وقد عُرِّف حوض النيل على أنه منطقة جغرافية تمتد عبر 12 دولة، وتبلغ مساحته نحو 3.2 مليون كيلومتر مربع، يَقَع حوالي 44.6 في المائة منها داخل السودان.
• يتكوّن الكتاب من 305 صفحة، موزعة على ستة فصول رئيسية، إلى جانب ملحقات غنية بالبيانات والمعلومات.
• صيغ الكتاب بإسلوب تحليلي يجمع بين الدقة العلمية وسلاسة العرض، ما يجعله مفهوماً حتى لغير المتخصصين.
• يقدّم الكتاب صورة حديثة ومرجعية للموارد المائية في السودان، عبر بيانات رقمية دقيقة وتوزيع جغرافي حسب الولايات والمشاريع الكبرى، ما يعزز فهم التباينات الإقليمية.
• المؤلف، البروفيسور سيف الدين حمد، من أبرز خبراء المياه في السودان والعالم، نال جوائز وأوسمة عديدة، وكان من المرشحين النهائيين لجائزة أوكلاهوما العالمية عام 2022 تقديراً لإسهاماته في الهيدرولوجيا والأمن والعدالة المائية.
• تولى مناصب رفيعة بوزارة الري، وشارك في مفاوضات مياه النيل، فكتب هذا الكتاب بصفته شاهداً ومشاركاً في صناعة القرار المائي.
• يعرض الكتاب رؤية شاملة تمزج بين العلوم الهندسية والقانونية والجيوسياسية، ويتناول أبعاد المياه المتصلة بالزراعة والبيئة والمناخ والصحة والاقتصاد والمجتمع والإعلام.
• ما يعنينا في هذا السياق هو الجانب المتعلق باحتياجات الزراعة المائية، الراهنة والمستقبلية في السودان، وما يرتبط بها من تحديات بيئية.
• وللإجابة عن هذه التساؤلات المعقدة، يُعد الكتاب أداة علمية متكاملة تسهم في استكشاف قضايا جوهرية، من قبيل: لماذا لم تستغل الأراضي الزراعية رغم وفرتها؟ وأين تذهب المياه؟ ولماذا لا تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة؟
• يشير الكتاب، مدعومًا بالبيانات، إلى أن الزراعة تستهلك أكثر من 90% من إجمالي الاستخدام المائي في السودان.
• ورغم أن المساحات المروية فعليًا لا تتجاوز 1.7 مليون فدان على النيل الأزرق، إلا أن هناك إمكانية ري تتراوح بين 4.8 و6 ملايين فدان في هذه المنطقة، ما يكشف فجوة واضحة بين المتاح والمستغل.
• يشير الكتاب إلى أن تغطية الاحتياجات المائية المستقبلية لمساحة 4.3 مليون فدان في مشروعات الري الكبرى بالسودان (الجزيرة، الرهد،الخ)، ستتطلب نحو 14 مليار متر مكعب سنويًا من مياه النيل الأزرق، أي ما يعادل 150% من متوسط الاستهلاك الحالي من مياه هذا النهر.
• في المقابل، لا تتجاوز السعة التخزينية الحالية على النيل الأزرق 6.1 مليار متر مكعب، وهو أقل بكثير من المطلوب لتغطية الاحتياجات المستقبلية.
• تُقدر المساحات المزروعة حالياً على النيل الأبيض (كنانة وعسلاية) بين 350 و480 ألف فدان، باستهلاك مائي يتراوح بين 2.5 و3.0 مليارات متر مكعب سنوياً، مع توقعات بزيادتها إلى 1.6 مليون فدان تستهلك نحو 7.3 مليارات متر مكعب سنوياً.
• أما المساحات المزروعة حالياً على نهر عطبرة، ضمن مشروع حلفا، فتقدر بما يتراوح بين 160 و200 ألف فدان، باستهلاك مائي سنوي يقل عن 1.4 مليار متر مكعب، مع إمكانية التوسّع إلى نحو 710 آلاف فدان، ما قد يرفع الاستهلاك إلى أكثر من 3.0 مليارات متر مكعب سنوياً.
• ويزرع حالياً نحو 311 ألف فدان على النيل الرئيسي (مرتين سنوياً) وتستهلك 1.2 مليار متر مكعب، مع توقعات بزيادتها إلى 860 ألف فدان تستهلك نحو 2.9 مليار متر مكعب سنوياً.
• تكشف هذه الأرقام عن فجوة مائية متصاعدة في السودان، تستدعي مراجعة السياسات المائية، وتحسين كفاءة استخدام المياه في الزراعة.
• وعلى الرغم مما يتّسم به الكتاب من جهد علمي رفيع وتناول شامل لقضايا الموارد المائية، فإنه – كما هي حال الأعمال العلمية الرصينة – لا يخلو من بعض الثغرات التي تستدعي مزيدًا من التوسيع والتكامل.
• يقول أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري، المعروف بالجاحظ: “ما من كتابٍ إلا وقال صاحبه: لو أني زدت فيه كذا أو نقصت كذا أو قدمت أو أخرت”.
• ويخيل إليّ أنه لو أُتيح للكتاب ومؤلفه مزيد من الوقت للمراجعة والتدقيق، لأدرج معالجة أوسع لقضايا البيئة والغابات، لما لهذين العنصرين من صلة وثيقة بالأمن المائي واستدامة الموارد.
• رغم ورود إشارات مقتضبة إلى الغابات في الكتاب، إلا أنه لم يُبرز بما يكفي دورها الحيوي في تقليل الترسيب وحماية السدود من الطمي، أو أثرها في تنظيم الجريان السطحي، وتعزيز التدفق القاعدي، وتغذية المياه الجوفية – وهي عناصر تسهم مباشرة في استقرار الموارد المائية.
• ويزداد هذا الغياب وضوحاً إذا أخذنا في الاعتبار ما تمثله غابات الهضبة الإثيوبية وأعالي النيل من أهمية محورية في دورة المياه واستدامة الموارد المائية.
• فقد بيّنت أبحاث من تايلاند والهند أن إزالة 1٪ فقط من الغطاء الغابي يؤدي إلى زيادة الجريان السطحي بنسبة 1.9٪، وارتفاع الحمولة من الطمي بنسبة 8.7٪، ما يهدد كفاءة التخزين في الخزانات.
• كما تُسهم الغابات في خفض التعرية بنسبة تصل إلى 18٪، وتعمل كـمرشحات طبيعية تقلل من تلوث المياه بالنترات، والفوسفات، وبقايا المبيدات، مما يعزز نوعية المياه ويقلل من كلفة المعالجة.
• هذا يؤكد ضرورة دمج التشجير ضمن استراتيجيات إدارة المياه لتحقيق توازن بيئي وهيدرولوجي مستدام.
• ومن الزوايا التي تستحق الإشادة في هذا الكتاب أنه يسد فراغاً توثيقياً ظل قائماً في أدبيات الموارد المائية في السودان. فمثل هذه الأعمال لا تسهم في النقاش الفني فحسب، بل تمثل لبنات أساسية في بناء الذاكرة المؤسسية، ونقل الخبرات المتراكمة إلى الأجيال القادمة.
• لذلك، تبدو الحاجة ماسة إلى تعميق ثقافة التوثيق العلمي في هذا المجال، وكافة المجالات، وتشجيع المختصين على تدوين تجاربهم، لا سيما في القطاعات الحيوية كالمياه، حيث يتقاطع الفني بالسياسي، والوطني بالإقليمي، واللحظي بالاستراتيجي.
• ختامًا، يظل كتاب الأمن المائي السوداني وحوض النيل مرجعًا مهمًا في قضايا المياه، غير أن غياب البُعد البيئي، لا سيما ما يتصل بدور الغابات، يفتح المجال لمراجعة تُعيد التوازن بين البُنى التحتية الصلبة والنُظم البيئية الحية، بما يعزز رؤية متكاملة لأمن مائي مستدام في ظل التحديات المناخية المتصاعدة.
آمالي في حسن الخلاص، وتقديري العميق.
عبد العظيم ميرغني


