دروس في الحياة كما تعلّمتها من الزراعة

أولى دروس الحياة لا تحفظ في الذاكرة فحسب، بل تنقش في القلب دهشةً أولى، تضيء الطريق وترشد الخطى.

دروس في الحياة كما تعلّمتها من الزراعة

 

د.عبدالعظيم ميرغني ابراهيم

• أولى دروس الحياة لا تحفظ في الذاكرة فحسب، بل تنقش في القلب دهشةً أولى، تضيء الطريق وترشد الخطى.

• ولعل أصدق ما يجسد هذا المعنى هو الدرس الأول الذي تلقيناه ذات صباح في مطلع يوليو 1976 عند التحاقنا بكلية الزراعة، حين اصطحبنا المرحوم بروفيسور عقباوي إلى مشتل الكلية.

• وهناك في ذلك المشتل الظليل، وبين الأشجار في أحضان الطبيعة، وقبل أن يشرع البروفيسور في أولى محاضرات كورس “مدخل إلى علم الزراعة”، أبدى أحد الزملاء ملاحظة ذكية وتساؤلًا عفويًا عن المسافات الفاصلة بين الأشجار.

• كانت تلك الملاحظة كأنها شرارة، تلقفها البروفيسور بعين خبير يدرك أن المعرفة تولد أحياناً من السؤال البسيط لا من المحاضرة الطويلة: للمسافات البينية أثر حاسم في نمو الأشجار وإنتاجيتها، إذ تقلل التنافس على الموارد وتحسن فرص البقاء.

• لم يكن هذا مجرد درس زراعي، بل كان تلميحاً باكراً إلى فلسفة حياتية شاملة: أن لكل شيء مسافة آمنة، ففي العلاقات الإنسانية كما في الزراعة، تضمن المسافات الآمنة توازناً دقيقاً؛ قرباً لا يخنق، وبعداً لا يُقصي.

• وهذا ما عبر عنه الفلاسفة وعلماء النفس بما يعرف بـ “مأزق القنافذ”؛ إذ تحتاج القنافذ إلى التقارب طلباً للدفء في البرد القارس، لكنها تضطر للتباعد كي لا تؤذي بعضها بأشواكها الحادة.

• في بيئة العمل، تتيح لنا المسافة الآمنة وضوحاً في التفكير، وتساعد على الفصل السليم بين الشخصي والمهني. كما تحفظ الاحترام المتبادل، وتمنع الإلف الزائد من التحوّل إلى استخفاف.

• وقد وعيت هذه الحكمة جيداً عندما توليت إدارة الهيئة القومية للغابات، فحرصت على تطبيقها مستعيناً بتعاون الزملاء وتفهم العاملين. وإن لم أوفق تماماً، فليعلموا أن ذلك كان مقصدي، وقد سعيت إليه ما استطعت.

• فلسفة المسافات الآمنة هي ما مكّن “أبا الغابات” كامل شوقي من الثبات في موقعه المهني رغم تقلبات السياسة؛ فقد عاش في ظل حكومات السيدين الميرغني والمهدي، وكان انتماؤه العائلي منقسمًا بين المدرستين، بين عمّ من مؤسسي حزب الأمة وخالٍ بارز في الحزب الاتحادي.

• ورغم إرثه السياسي العميق، نجح كامل شوقي في تحييد مصلحة الغابات عن صراعات الأحزاب؛ فرفض التدخلات في التعيينات، وتعامل بحكمة مع طلبات الكبار، ولم يتردد في التصدي لرؤساء حكومات حاولوا تمليك الغابات العامة لأفراد.

• هكذا أيضاً أرسى أبو الغابات علاقة متوازنة بين مصلحة الغابات كجهاز مهني مستقل، والزراعة كوزارة مشرفة، مقدماً نموذجاً فريداً يجمع بين الاستقلالية والانضباط المؤسسي، بفضل قدرته على تخطيط المسافات الآمنة بذكاء وحكمة.

• كان أول درس حقيقي تلقيته في الأشهر الأولى لبداياتي المهنية بعد التخرج، حين التحقت بمركز بحوث الغابات في العام 1981كمساعد باحث. وهو درس “ملف الأفكار Ideas File”، تعلمته خلال دورة تدريبية بكلية الغابات في موروقورو – جامعة دار السلام التنزانية.

• الفكرة بسيطة: ملف صغير تُدوَّن فيه كل فكرة، مهما بدت عابرة أو ناقصة، يتحول مع الوقت من ملف صغير إلى منبع إلهام أرجع إليه كلما استعصى أمر أو استهواني موضوع. وما زلت أحتفظ بنسخ هذا الملف القديمة.

• ومن بين تلك الأفكار، ما أواظب اليوم على مشاركته معكم في شكل مقالات، أستعيد فيها تلك البذور الأولى، وأقدمها في ثوب جديد يليق بوعي الحاضر وتحدياته.

• ولعلي مدين لذلك الدرس التنزاني الأول، لا فقط بمنهجي في التعلم، بل أيضاً بذلك الإيمان بأن الأفكار، مهما كانت متواضعة في بدايتها، قد تصنع فرقاً عظيماً إذا ما أحسن رعايتها.

• في حياة الباحث، تومض الأفكار سريعًا وتخبو ما لم تُدوَّن. وقد أدرك هذه الحقيقة أعلام كبار، كأبي حامد الغزالي، الذي أدهش عصره بغزارة إنتاجه، حتى قيل إن مؤلفاته لو وزِّعت على أيام عمره الذي لم يبلغ 55 عامًا، لكان لكل يوم كتاب، مثل المنقذ من الضلال وإحياء علوم الدين.

• فقد رُوي عنه، رحمه الله، أنه كان يشعل المصباح مرارًا في جوف الليل كلما وميضت في خاطره فكرة، ليسارع بتدوينها قبل أن تخبو وتضيع.

• الدرس الثالث، الذي أدركته بعد تجارب شخصية مؤلمة، ومرتبط بما سبق ذكره عن ملف الأفكار، هو ألا أُفصح عن مشاريعي البحثية أو خططي المستقبلية قبل أن تنضج وتكتمل.

• فقد تعلمت أن حسن النية وحده لا يحمي الفكرة من أن يساء فهمها أو تستغل، خاصة حين تتقاطع مع جهات ذات نفوذ مؤسسي أو حضور واسع.

• ولعلي أذكر مثالاً على ذلك: إذ اطلعت جهة بحثية معروفة على بعض محاور مشروعي قبل تنفيذه، ثم ظهرت لاحقًا مشاريع تحمل تشابهًا مريبًا مع ما كنت قد طورته على مدى سنوات من البحث الجاد، دون أدنى إشارة للمصدر أو ردّ للفضل.

• ورغم ذلك، بقيت واثقًا من عملي، فهو ثمرة إشراف أكاديمي منهجي، وجهد دقيق استمر لسنوات وجهد امتد لسنوات، وتميز بعمقه وشموله ودقة توثيقه. فالفكرة الأصيلة تبقى شامخة، مهما أحاطت بها الظلال.

• هكذا تعلمت أن في الحياة، كما في الزراعة، دروسًا صغيرة كالبذور: تغرس في الوجدان، وتنمو بصمت إن صينت من العبث، وسقيت بعناية في الخفاء، قبل أن يشتد عودها وتُرى للعيان.

آآمالي في حسن الخلاص، وتقديري العميق.

عبد العظيم ميرغني

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English