*أكاسيا أمبليسيبس ورفيقاتها: البدائل التي عجزت عن خلافة المسكيت*
في أوائل التسعينيات، أُطلِق مشروع طموح باسم "بدائل المسكيت" في محطة أبحاث الحديبة بمنطقة الدامر (ولاية نهر النيل) شمال السودان
*أكاسيا أمبليسيبس ورفيقاتها: البدائل التي عجزت عن خلافة المسكيت*
مشروع بدائل المسكيت بمحطة أبحاث الحديبة (السودان)

أ.د طلعت دفع الله عبدالماجد
في أوائل التسعينيات، أُطلِق مشروع طموح باسم “بدائل المسكيت” في محطة أبحاث الحديبة بمنطقة الدامر (ولاية نهر النيل) شمال السودان. تولّى قيادة المشروع الأستاذ الراحل حيدر الصافي (والذي نال درجة الدكتوراه لاحقًا)، وكان حينها يشغل منصب رئيس فرع الجمعية السودانية لحماية البيئة في المنطقة. هدف المشروع إلى اختبار أشجار بديلة للمسكيت تتسم بخصائص مفيدة مشابهة (نمو سريع، تحمل للجفاف، تثبيت للنيتروجين، توفير حطب وعلف) دون أن تصبح آفة غازية. وقد حظي المشروع باهتمام ودعم حكومي ملحوظ في ذلك الوقت نظراً لأهميته البيئية، إذ وفر له تمويل كبير وتابع مسؤولون رفيعون سير أعماله. ان فكرة إدخال هذه الأشجار لم تبدأ من فراغ؛ فقد سبقتها جهود بحثية بدعم بريطاني في الثمانينات (من قبل منظمة تنمية ما وراء البحار Overseas Development) أدخلت بعض الأصناف الواعدة إلى السودان. عمل البروفسور حيدر الصافي متطوعًا مع ذلك المشروع البريطاني، ثم استثمر مخرجاته بعد تعيينه باحثًا في هيئة البحوث الزراعية السودانية – مركز بحوث الغابات – لإقامة تجارب موسّعة في محطة الحديبة على تلك الأصناف الجديدة.
*الأنواع الشجرية المختارة كبدائل للمسكيت*
ركز المشروع على ثلاثة أنواع شجرية أصلها جغرافيًا من أستراليا (بناءً على ما قيل آنذاك)، وهي:
أكاسيا أمبليسيبس (Acacia ampliceps) – شجرة شوكية صغيرة نسبيًا خالِيَة من الأشواك فعليًا وسريعة النمو. تبيّن أنّ لديها قدرة على تحمل ملوحة التربة نسبيًا ومعدلات جفاف معتدلة، كما أنها مثبتة للنيتروجين وتُنتج علفًا من أوراقها وبذورها. في التجارب المقارنة مع المسكيت (Prosopis)، تفوقت الأكاسيا أمبليسيبس من ناحية إنتاجية الخشب والكتلة الحيوية؛ إذ حققت أعلى حجم للشجرة وكتلة مقارنةً بكل من المسكيت والأكاسيا الأخرى المختبرة. لذلك اعتُبرت مرشحًا جيدًا لإنتاج الحطب والأعلاف، ولكن تحت ظروف الري. وقد أظهرت الدراسات أنها تصنّف كشجرة مقاومة للجفاف إلى حد ما لكنها تحتاج لمقادير مياه ري معتدلة ومنتظمة لتحقيق نموها الأمثل أي أنها لا تستطيع البقاء لفترات جفاف طويلة دون ري إضافي.
أكاسيا ستينوفيلا (Acacia stenophylla) – تعرف باسـم سنط نهر كوبّا أو السنط ضيق الأوراق، وهي شجرة أسترالية متوسطة الحجم تتميز بأوراق طويلة رفيعة متدلية. هذه الشجرة أيضاً سريعة النمو وتثبّت النيتروجين، وتوفر ظلًا خفيفًا بسبب تاجها المتفتح. أبرز ميزاتها التي كشفتها التجارب في السودان أنها أكثر تحمّلًا للجفاف مقارنةً بأكاسيا أمبليسيبس. فقد نجحت الأكاسيا ستينوفيلا في الصمود خلال فصل الجفاف في شمال السودان الذي يمتد لأكثر من سبعة أشهر بدون أمطار، وذلك بفضل جذورها العميقة وقدرتها على الوصول للمياه الجوفية. كما لوحظ أن ثمارها الجافة (القرون) يمكن أن تعمل كمادة طاردة للحشرات. هذه الخواص جعلت الباحثين ينظرون إليها كمرشح مناسب للزراعة في المزارع المطرية والمناطق شبه القاحلة ضمن نظم الزراعة الغابية (Agroforestry) ، حيث يمكن أن توفر حماية للمحاصيل دون حاجة لري مستمر بعد تأسيسها.
السيسبان الفورموزي (Sesbania formosa) – هو النوع الثالث الذي أشار إليه المشروع باسم “الفورموزا”. يُعتقد أن المقصود به شجرة السيسبان الأسترالية المعروفة بـ”سيسبان شكيل” أو White Dragon Tree. هذه الشجرة تنتمي لفصيلة البقوليات أيضًا وتتميز بسرعة نموها وخواصها التحمّلية ضمن حدود معينة. موطنها الأصلي شمال أستراليا في المناطق الرطبة؛ إذ تنمو طبيعيًا على ضفاف الأنهار وفي المواقع المستنقعية. لذلك فهي بحاجة إلى توفر الماء بشكل منتظم، ولا تحتمل الانقطاع الطويل في الري. تمت زراعة هذا النوع في السودان على نحو تجريبي – مثلاً كأحزمة مصدّات رياح حول مصنع أسمنت عطبرة ومدخل مدينة ود مدني – حيث نجحت في تكوين حزام أخضر جميل عند توفر الري المستمر. لكن عند انقطاع مياه الري لفترة، بدأت علامات الذبول والموت الجماعي تظهر على هذه الأشجار سريعًا، مما قدّم دليلًا عمليًا على ضعف تحملها للجفاف مقارنةً بالمسكيت. إن طبيعة هذا النوع القصير العمر والسريع النمو جعلت دوره مناسبًا كشجرة رائدة مؤقتة في البيئات الرطبة، لكنه غير ملائم كبديل مستدام في البيئات الجافة دون دعم ريّ منتظم.

*نتائج المشروع ومصير الأشجار المختبرة*
على امتداد عدة سنوات، قام المشروع بزراعة هذه الأنواع الثلاثة في محطة بحوث الحديبة وإجراء تجارب مكثفة عليها، بما في ذلك تجارب الحزام الشجري حول الحقول وتجربة نظام الزراعة الغابية (Agroforestry) حيث تُزرع الأشجار في خطوط بين المحاصيل. وقد عُرضت نتائج هذه التجارب في سلسلة من السمنارات وورش العمل العلمية في التسعينيات، وكنت حضورا في معظمها وحضرها عدد كبير من المختصين. تضافرت آراء المشاركين على حقيقة أن هذه الأنواع – رغم ميزاتها – لا يمكن أن تكون بديلًا مباشرًا لشجرة المسكيت في السودان من حيث الانتشار الطبيعي دون رعاية، وذلك لحاجتها المستمرة إلى الري وعدم قدرتها على تحمل الجفاف الطويل كالذي تتأقلم معه المسكيت. بناءً على ذلك، جرى إعادة توصيف أهداف المشروع؛ فبدلًا من البحث عن “بدائل للمسكيت” بالمعنى الحرفي، تم التركيز على دور هذه الأشجار ضمن نظم الزراعة الغابية تحت الإدارة البشرية (Agroforestry)، حيث يمكن زراعتها كأحزمة واقية أو كمصدات رياح في مشاريع زراعية مروية أو في بيئات محددة تتوفر فيها مياه كافية. في هذا الإطار، أصدرت هيئة البحوث الزراعية (ARC) في عام 1998 توصيات رسمية بـإطلاق صنف أكاسيا أمبليسيبس للاستخدام في مزارع الري بهدف إنتاج الكتلة الحيوية كخيار بديل للمسكيت تحت الري، وكذلك إطلاق صنف أكاسيا ستينوفيلا في نفس العام لاستخدامه في دمج الأشجار بالمزارع الواقعة في مناطق الجفاف وتقليل تأثيراته.
*من ناحية مصير المشروع والأصناف المستنبطة:* يمكن القول إن المشروع حقق أهدافًا علمية مهمة لكنه لم يؤدِّ إلى انتشار واسع لهذه الأشجار خارج نطاق المواقع التجريبية والمشاريع المروية المحدودة. فشجرة المسكيت بقيت مسيطرة على البيئات الهامشية بفضل قدرتها الفائقة على تحمل الإهمال والجفاف، بينما الأشجار البديلة التي جرى استنباطها تتطلب عناية وريًا مما حدّ من تبنيها على نطاق شعبي واسع. رغم ذلك، ترك المشروع بصمة إيجابية في المجال العلمي؛ فقد تم نشر نتائج الأبحاث المستخلصة في مجلات علمية محكمة ومشاركتها في محافل دولية، مما أثرى المعرفة حول هذه الأنواع وملاءمتها البيئية. وتولى الإشراف على تلك الدراسات ومراجعتها علماء سودانيون مرموقون من هيئة البحوث الزراعية، من بينهم البروفسور حسين سليمان آدم (أحد روّاد تأسيس جامعة الجزيرة) الذي دعم ووجّه هذه التجارب بخبرته الطويلة. وبفضل هذا الجهد الجماعي، توفرت بدائل مدروسة يمكن استخدامها بشكل موجّه في الأحزمة الشجرية الواقية وأنظمة الزراعة المختلطة، وإن كانت ليست بديلاً تلقائيًا للمسكيت في البيئات القاحلة.
*انتهى مشروع بدائل المسكيت إلى خلاصة واقعية مفادها* أن: لا خيار سحري يحل محل المسكيت في كل الظروف، بل ينبغي استخدام مزيج من الأشجار المناسبة لكل بيئة مع إدارة بشرية واعية. فالأكاسيا أمبليسيبس والستينوفيلا proved to be valuable agroforestry species under controlled conditions، يمكن أن تساهم في مكافحة التصحر وحماية المحاصيل عند توفر المياه وإشراف الإدارة، لكنها ليست قادرة على الانتشار الطبيعي وتحمل قسوة البيئة كالمسكيت.
وهكذا تحول السؤال من “بدائل المسكيت” إلى كيفية الاستفادة من هذه الأشجار ضمن منظومات مستدامة تخفف من أضرار المسكيت دون أن تستجلب مشاكل جديدة. ومع أن المشروع بحد ذاته توقّف بانتهاء فترة تمويله وتجاربه، إلا أن إرثه العلمي والتطبيقي لا يزال حاضرًا في سياسات التشجير الواعي ومشاريع الأحزمة الشجرية في السودان حتى اليوم.


