*الشجرة والسلطة: من أرشيف عملي في مشروع التشجير* *`بالدامر*
*شهادتي من الدامر*

أ.د.طلعت دفع الله عبدالماجد
في ثمانينيات القرن الماضي، وخلال عملي مديرًا لمشروع التشجير وإعادة التشجير في مدينة الدامر، استدعانا حاكم الإقليم الشمالي، وطلب منا – بحضور مدير غابات الإقليم – قطع أشجار نيم كبيرة على طول الشارع الرئيسي المؤدي إلى أمانة الحكومة. كان مبرره أن هذه الأشجار باتت مأوى للعاطلين والطيور، وتسبب إزعاجًا للسكان.
ناقشنا معه الأمر بهدوء وبلطف، وأوضحنا أن قطع الأشجار في منطقة شبه صحراوية يضر بالبيئة ويبعث برسالة سلبية للناس، خصوصًا أن مشروع التشجير الذي نديره يهدف إلى زيادة الغطاء النباتي، لا تقليصه. كما نبّهناه إلى أن رؤية سكان المدينة لموظفي الغابات وهم يقطعون الأشجار ستقوض ثقة المجتمع في برامج الغابات. في النهاية، اقتنع الحاكم وتراجع عن قراره.
هذه الحادثة ليست استثناءً. قرارات مشابهة صدرت في مدن عديدة مثل الخرطوم ومدني والحصاحيصا، حيث تمّت إزالة أشجار عمرها عقود، دون تقييم بيئي أو تشاور مع الجهات المختصة. المشكلة الأساسية هنا أن مفهوم أهمية الأشجار، خاصة في المدن، لا يحظى بالأولوية لدى صانعي القرار، ولا يندرج ضمن سياسة عمرانية أو بيئية متماسكة.
أن معايير إدارة الأشجار الحضرية المعتمدة دوليًا (مثل معايير FAO وISA) تشدد على ضرورة التقييم الفني لكل شجرة، وقياس قيمتها البيئية والاجتماعية والاقتصادية قبل اتخاذ أي قرار بشأن إزالتها أو استبدالها.
توثيقي لهذه الحالات في مقالي عن شجرة النيم ليس لتسجيل اللوم، بل للتنبيه إلى ضرورة وجود منهجية واضحة لإدارة الأشجار الحضرية، تقوم على التقييم العلمي، والتخطيط المسبق، والمساءلة. لا يمكن أن تُدار قضايا البيئة بقرارات ارتجالية في هذا الزمن المعقّد بيئيًا.


