هل تستطيع الفراشة أن تنقذ غابة وتعتقها من القطع؟

د.عبدالعظيم ميرعني
تقول حكاية شهيرة ارتبطت بـ نظرية الفوضى، وهي من أهم الأفكار الرياضية والعلمية التي ظهرت في القرن العشرين، إن خفقة جناحي فراشة صغيرة في هونغ كونغ قد تسهم، عبر سلسلة معقدة من التغيرات في الغلاف الجوي، في تغيير مسار إعصار بعيد أو نشوء عاصفة ترابية في الخرطوم.
وبدأت الحكاية من ملاحظة بسيطة لعالم الأرصاد إدوارد لورنز. كان يجري في عام 1961 تجربة حسابية لمحاكاة الطقس، فاستخدم في المرة الأولى الرقم 0.506127، ثم أعاد العملية الحسابية باستخدام الرقم نفسه بعد تقريبه إلى ثلاث منازل عشرية، ليصبح 0.506.
فرق صغير لا يتجاوز 0.000127، وكان يتوقع أن تكون النتائج متقاربة بما يكفي لتوفير بعض الوقت وورق الطباعة.
لكن ما حدث كان مفاجئًا.
فهذا الفارق الصغير في نقطة البداية أخذ يتضخم مع استمرار الحسابات، حتى قاد النموذج إلى نتائج مختلفة بصورة كبيرة.
ومن هنا ارتبطت هذه الفكرة بما أصبح يُعرف بـ «تأثير الفراشة»:
قد يبدأ التغيير الكبير من شيء يبدو صغيرًا جدًا.
وبعيدًا عن التفاصيل الحسابية وأحوال الكقس، دعونا نعود للسؤال الأول:
هل تستطيع الفراشة أن تنقذ غابة وتعقها من القطع؟
قد يبدو السؤال غريبًا… لكن الإجابة ليست بعيدة عن ذلك.
في بعض المناطق الاستوائية، اكتشف السكان أن بإمكانهم تحقيق دخل من تربية الفراشات بدلًا من الاعتماد على قطع الأشجار للحصول على دخل سريع.
وهكذا ظهرت مزارع الفراشات؛ وهي مشروعات صغيرة يمكن إقامتها في مساحات محدودة، وتقوم على جمع بيض الفراش من أوراق الأشجار ورعايته حتى يتحول إلى يرقة، ثم عذراء، ثم فراشات، وتُسوَّق للمتاحف، ومعارض الفراش الحي، والهواة والفنانين.
قد تبدو قيمة الفراشة الواحدة صغيرة (١٢ دولار للفراشة) مقارنة بقيمة شجرة كبيرة، لكن الفكرة ليست في قيمة الفراشة وحدها.
الفكرة في الدخل الذي يمكن أن توفره الغابة وهي قائمة، لا بعد قطعها.
وهنا تبدأ الحلقة المهمة:
راشة ← دخل للسكان ← مصلحة في بقاء الأشجار قائمة ← تقليل القطع ← غابة محفوظة.
فحين تصبح الغابة مصدرًا للدخل وهي واقفة، يصبح الحفاظ عليها مصلحة اقتصادية أيضًا.
وهذه هي الفكرة التي تستحق أن نتوقف عندها:
نحن لا نحمي الغابات دائمًا بالمنع والقوانين وحدها؛ بل يمكن أن نحميها أيضًا عندما يجد الناس فيها قيمة اقتصادية حقيقية دون الحاجة إلى إزالتها.
وكما يمكن لفارق صغير جدًا في بداية نموذج رياضي أن يقود إلى نتائج كبيرة، يمكن لفكرة صغيرة في الاقتصاد المحلي أن تطلق سلسلة من الآثار الإيجابية.
قد لا تنقذ فراشة واحدة غابة.
لكنها قد تفتح بابًا لفكرة تجعل بقاء الغابة أكثر نفعًا من قطعها.
فربما تبدأ الحكاية بخفقة جناح فراشة صغيرة… وتنتهي بغابة كبيرة🦋🌳.


