عندما يسير العلماء في الزفة!

د.عبدالعظيم ميرغني
الزفة في الأصل تظاهرة احتفائية تقودها جوقة موسيقية تجوب الشوارع للفت الأنظار أو الترويج لحدث أو بضاعة.
وتعبير «السير في الزفة» وصف لحالة من يفعل الشيء لمجرد أن الآخرين يفعلونه.
ولأن المصريين أصحاب بصر وبصيرة في صياغة الأمثال، فأبدعوا في إطلاق تعبير «كداب الزفة» على ذلك الفضولي المتطفل الذي لا تربطه بأهل العرس قرابة، لكنه يقتحم الزفة بحماس زائد وإحساس كاذب بالمناسبة!
أما في الثقافة السياسية، فقد ارتبط التعبير بمصطلح «القفز فوق عربة الموسيقى» عام 1848م بأمريكا، حين استخدم مهرّج سيرك شهير عربة فرقته الموسيقية في الحملات الانتخابية. ومع نجاح الفكرة أخذ السياسيون يتسابقون للاستفادة من الفكرة وزخمها وشعبيتها.
ثم انتقل التعبير إلى مجالات أوسع:
في الاقتصاد، بإرتفاع الطلب الفجائي على سلعة ما لمجرد أن الآخرين يقبلون عليها، وفي السلوك البشري تتوارى أحياناً عقلانية التفكير أمام عدوى التقليد.
ولم تسلم أعتى الحقول العلمية من هذه العدوى.
ففي عام 1991 نشر عالم تربية النباتات البريطاني نورمان سيموندز مقاله الشهير Bandwagons I Have Known، مستعرضاً ست «زفات» علمية استهلكت أوقاتاً وموارد كبيرة قبل أن تتبدد بعض وعودها البراقة.
ومن هذه الزفات «زفة مضاعفة عدد الصبغيات» في الأربعينيات لإنتاج نباتات أكبر حجماً، قبل أن يتضح أن زيادة الحجم في بعض الحالات لا تعني بالضرورة زيادة في الإنتاجية، وقد ترتبط بزيادة المحتوى المائي أو بمشكلات في الخصوبة.
ومنها أيضاً «زفة زراعة الأنسجة» في السبعينيات، التي قوبلت باعتبارها حلاً سحرياً، قبل أن تكشف التطبيقات عن تحديات وتباينات وراثية غير متوقعة.
وبعد ربع قرن، عاد عالم تربية النباتات الأمريكي ريكس برنارد عام 2016 إلى الفكرة نفسها في مقاله Bandwagons I, too, have known ، متتبعاً زفات أحدث، من الأصناف المحورة وراثياً ورسم خرائط الجينات إلى الانتخاب الجينومي.
وعموماً، تمر هذه الزفات العلمية بدورة ثلاثية وبدأ بحماس كبير حول فكرة تبدو كأنها مفتاح سحري يغيّر قواعد اللعبة، ثم تأتي مرحلة اختبار الواقع فتظهر المشكلات ويتراجع الانبهار، لتنتهي بمرحلة الفرز، حيث يبقى من الفكرة ما أثبتت التجربة جدواه، بينما تتلاشى المبالغات والوعود التي لم تصمد أمام الواقع.
ولم يكن محيطنا الغابي بمعزل عن هذه الموجات؛ فقد شهدنا في السودان منذ ثمانينيات القرن الماضي متوالية من موجات استجلاب الأنواع الشجرية بغرض توطينها، دخل بعضها محملاً بالوعود، ثم فرضت التجربة إعادة النظر في جدواه أو ملاءمته:
زفة الهوهوبا: شجيرة مستديمة الخضرة، شديدة التحمل للملوحة والجفاف، دخلت عبر مشروع إقليمي طموح لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
زفة المسكيت: الشجرة المعجزة» التي هلّل لها مشروع مافحة التصحر وزحف الرمال، قبل أن تكشف التجربة في السودان عن مشكلات مرتبطة بانتشارها، وتتجه الجهود لاحقاً لمكافحتها.
زفة اللوسينا: التي تبناها مشروع السودان للطاقة المتجددة لسرعة نموها وقيمتها العلفية، قبل أن تتراجع الحماسة لها مع ظهور مخاوف من تحولها إلى آفة.
زفة البزروميا (الدمس السعودي): التي غزت الميادين والمنازل كشجرة ظل وزينة، قبل أن تظهر في بعض المواقع مشكلات مرتبطة بتأثيرها على شبكات المياه.
زفة المورنجا: التي لمع نجم بذورها في تنقية المياه واستخلاص الزيوت واستخدامها علفاً، والجاتروفا: التي لمع نجمها مع ارتفاع أسعار النفط والجنون العالمي نحو إنتاج الوقود الحيوي، والبيوديزل، قبل أن تكشف التجارب أن اقتصاديات إنتاجه أكثر تعقيداً مما أوحت به الحماسة الأولى.
قد يكون الدرس الذي تقدمه لنا هذه الزفات بسيطاً:
العاقل ليس من يسير خلف كل زفة؛ وإنما من يسأل: إلى أين تسير هذه الزفة؟
بعد كل ذلك، ربما يجدر بكل واحد منا أن يسأل نفسه سؤالاً آخر:
كم من زفة في حياتي سرتُ فيها لأن الجميع كان يسير، ثم اكتشفت، بعد أن هدأ الإيقاع، أنني لم أكن أعرف إلى أين كنت ذاهباً؟


