المحاسبة الخضراء وقياس الأثر البيئي
أصبحت المحاسبة الخضراء من الاتجاهات الحديثة في الفكر المحاسبي، حيث لم يعد تقييم أداء المنشأة يعتمد على النتائج المالية فقط
المحاسبة الخضراء وقياس الأثر البيئي

بقلم : محمد خالد حاج خالد
أصبحت المحاسبة الخضراء من الاتجاهات الحديثة في الفكر المحاسبي، حيث لم يعد تقييم أداء المنشأة يعتمد على النتائج المالية فقط، بل أصبح يشمل قياس أثر النشاط الاقتصادي على البيئة، مثل استهلاك الطاقة والمياه، والتلوث، والمخلفات، وتكاليف معالجتها. ويساعد ذلك الإدارة على تحقيق التوازن بين الربحية والمحافظة على البيئة. ففي محاسبة التكاليف، ساعد التطور على تحديد التكاليف البيئية المرتبطة بالإنتاج، مثل تكلفة معالجة النفايات والتلوث واستهلاك الموارد، مما يساهم في اكتشاف الهدر وتقليل التكاليف. أما المحاسبة المالية فأصبحت تهتم بالإفصاح عن الالتزامات والمخاطر البيئية، بينما توفر المحاسبة الإدارية معلومات تساعد الإدارة في التخطيط واتخاذ القرارات واختيار البدائل الأقل تكلفة والأقل ضرراً على البيئة.
ومن الأمثلة التي توضح أهمية التخطيط الحديث للموارد زلزال وتسونامي اليابان عام 2011، حيث تعرضت منشآت ومخزونات كثيرة للأضرار. وهنا تظهر أهمية أساليب مثل الإنتاج في الوقت المحدد (JIT)، الذي يقوم على تقليل المخزون إلى المستويات الضرورية. فكلما انخفضت كميات المواد المخزنة، انخفضت كمية المواد الخام والكيماويات وغيرها التي يمكن أن تتعرض للتلف أو التسرب عند وقوع كارثة، مما قد يحد من الخسائر المالية والبيئية. ومع ذلك، يجب تطبيق JIT مع مخزون أمان وخطط للطوارئ حتى لا يتحول انخفاض المخزون إلى خطر على استمرارية الإنتاج.
وليس ببعيد عن واقعنا المعاش الحالة السودانية حيث يمكن ربط مفهوم المحاسبة الخضراء بصورة مباشرة بآثار الحرب في السودان منذ عام 2023. فقد تعرضت منشآت صناعية ومنشآت للطاقة والنفط والمياه العلاج لأضرار، ونتج عن ذلك مخاطر مرتبطة بتلوث الهواء والمياه والتربة، إضافة إلى تلف المواد والمخزونات والمواد الخطرة. وقد ظهرت تقارير بيئية هنا وهناك تكشف أضراراً ومخاطر في عدة مواقع صناعية ومرافق المياه والعلاج والمنشآت النفطية والكيميائية ومرافق الطاقة.
وتوضح الحالة السودانية إن إدارة المخزون والمحاسبة الخضراء وإدارة المخاطر يجب أن تعمل الآن أو في المستقبل بصورة متكاملة. فالمصنع الذي يحتفظ بكميات كبيرة من المواد الخام أو الوقود أو المواد الكيميائية في منشأة معرضة للخطر لا يواجه خسارة مالية فقط عند تلفها، بل قد يتحمل أيضاً تكاليف بيئية وصحية كبيرة نتيجة التسرب أو الحريق أو صعوبة التخلص من المواد التالفة لأن تضرر البنية التحتية لهذه القطاعات يمثل خطراً بيئياً، خصوصاً من احتمالات التسرب والتلوث.
ومن هنا يمكن أن تسهم المحاسبة الحديثة في قياس الخسارة المالية والبيئية قبل وقوعها، وتحديد حجم المخزون المناسب، ومواقع التخزين الآمنة، وتكلفة المخاطر المحتملة، ووضع خطط بديلة للإمداد والإنتاج الأمر الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار بالضرورة عند التخطيط الاقتصادي والبنيوي والبيئي والتشريعي لمرحلة ما بعد الحرب وهذا يوضح أن دور المحاسبة لم يعد تسجيل الخسائر بعد حدوثها، وإنما أصبح أداة للتنبؤ بالمخاطر وتقليلها.
وبذلك تؤكد تجربة اليابان، وكذلك الحالة السودانية وإن انعدمت المقارنة أن التطور في محاسبة التكاليف والمحاسبة المالية والمحاسبة الإدارية والمحاسبة الخضراء يمكن أن يسهم في تقليل الهدر والخسائر والمخاطر البيئية، وتحسين استخدام الموارد، ودعم قدرة المنشآت على مواجهة الكوارث والأزمات وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة.


