غرائب الغابات السودانية (2)
ما عجزت الدساتير عن حسمه… أنهته التفاهمات

د.عبدالعظيم ميرعني
ليست كل غرائب الغابات السودانية أشجاراً نادرة أو حيوانات عجيبة؛ فبعضها تجارب إدارية فريدة، عجزت الدساتير عن حسمها، بينما نجحت التفاهمات في تجاوزها.
فعند قيام النظام الفيدرالي، بدا وكأن الغابات تتجه إلى صراع بين المركز والولايات: من يملك الغابات؟ ومن يديرها؟
وكان من السهل أن يتحول الأمر إلى نزاع طويل بسبب تداخل الاختصاصات وتوزيع السلطات.
غير أن الواقع سار في اتجاه مختلف.
ففي عام 1996 بادرت الهيئة القومية للغابات بطرح مبادرة لكيفية إدارة الغابات وتقاسم عائداتها اتفق الطرفان عليها، واعتمد بموجب ذلك قرار مجلس الوزراء الاتحادي رقم (40) لسنة 1997م مرجعية انتقالية ارتضاها الطرفان.
ولأن الفيدرالية السودانية نشأت من تحول دولة موحدة إلى دولة اتحادية، فقد كان مقتضى هذا التحول أن تبقى الغابات القائمة قبل قيام النظام الفيدرالي ضمن ممتلكات الدولة، وتتولى الهيئة القومية للغابات إدارتها، بينما تنشئ الولايات غاباتها الولائية مستقبلًا.
غير أن الهيئة القومية للغابات، تحقيقًا للتوازن بين مستويات الحكم، فوضت الولايات بإدارة جزء من تلك الغابات والانتفاع بعائداتها، مع بقائها ضمن ممتلكات الدولة، وعدم جواز تغيير الغرض منها أو التصرف فيها إلا بموافقة الهيئة القومية للغابات.
ورغم صدور دستور السودان لسنة 1998م ثم الدستور الانتقالي لسنة 2005م، ظلت بعض جوانب العلاقة بين المركز والولايات في مجال الغابات والأراضي غير محسومة، مما أتاح مجالًا لاختلاف التفسيرات وتباين التطبيقات.
لكن ما لم تحسمه النصوص، حسمه الحوار.
ثم تُوِّج ذلك التوافق بإبرام مذكرات تفاهم بين الهيئة القومية للغابات ومعظم الولايات، نظمت الإدارة المشتركة وآليات التنسيق بين الجانبين.
ولم يظل ذلك حبرًا على ورق.
ففي عام 2004م، فوّض وزراء الزراعة بالولايات وزير الدولة بوزارة الزراعة الاتحادية، البروفيسور الصادق عمارة، ليتحدث باسمهم أمام الهيئة القومية للغابات، معلنين تأييدهم لمبدأ قومية الغابات.
ثم جاءت خطوة أكثر دلالة، عندما بادر الدكتور رضوان محمد أحمد، وزير الزراعة بولاية سنار آنذاك، إلى دمج إدارة الغابات الولائية في الإدارة الاتحادية طوعًا، في سابقة جسدت مستوى الثقة الذي بلغته العلاقة بين الطرفين.
واتسع التعاون بعد ذلك، فألحقت ولايات عديدة مهنيي الغابات العاملين لديها للعمل تحت مظلة الهيئة القومية للغابات، دون أن تتحمل الهيئة أي أعباء مالية إضافية، حتى بلغ عددهم عند مغادرتي الهيئة عام 2014م بضع مئات.
ولعل أجمل ما في هذه القصة أن نجاحها لم يكن انتصارًا للمركز على الولايات، ولا للولايات على المركز، وإنما كان انتصارًا للفيدرالية نفسها.
فقد أثبتت التجربة أن التوازن بين مستويات الحكم، والثقة المتبادلة، والاحتكام إلى الحوار، كانت جميعها أقوى من أي نص قانوني.
وهكذا سجلت الغابات السودانية تجربةً نادرة أثبتت أن ما عجزت الدساتير عن حسمه، أنجزته التفاهمات، وأن نجاح الفيدرالية لا تصنعه النصوص وحدها، بل تصنعه الثقة، والتعاون، وإرادة الشركاء.


