باكو تناقش مستقبل المدن… والسودان أمام فرصة تاريخية لإعادة التفكير في العمران بعد الحرب
تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الأذربيجانية باكو التي تستضيف الدورة الثالثة عشرة من المنتدى الحضري العالمي
باكو تناقش مستقبل المدن… والسودان أمام فرصة تاريخية لإعادة التفكير في العمران بعد الحرب
د.جلال محمد يس
تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الأذربيجانية باكو التي تستضيف الدورة الثالثة عشرة من المنتدى الحضري العالمي تحت شعار: “إسكان العالم: مدن آمنة وقادرة على الصمود”، في وقت تبدو فيه قضايا إعادة الإعمار والتنمية الحضرية أكثر إلحاحاً في الدول التي أنهكتها الحروب والنزاعات، وعلى رأسها السودان.
فالمنتدى الذي يناقش مستقبل المدن المستدامة والتخطيط الحضري الذكي، يطرح بصورة غير مباشرة أسئلة جوهرية أمام السودانيين:
كيف يجب أن تُبنى مدن ما بعد الحرب؟
وهل المطلوب إعادة إعمار الخرطوم كما كانت، أم إعادة التفكير في النموذج الحضري كله؟
لقد كشفت حرب 15/ابريل هشاشة النمو العمراني الذي تركز لعقود طويلة في العاصمة الخرطوم، حيث تكدست المؤسسات والخدمات والفرص الاقتصادية في مدينة واحدة، بينما ظلت الأقاليم تعاني ضعف التنمية والهجرة المستمرة نحو المركز.
ومع الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والأحياء السكنية والخدمات الأساسية، تبدو إعادة الإعمار اليوم أكثر من مجرد إعادة بناء إسمنت وحديد؛ إنها فرصة لإعادة صياغة فلسفة العمران والتنمية في السودان.
فالعودة إلى العاصمة القديمة بمدنها الثلاثه الخرطوم وامدرمان وبحري بكل اختلالاتها قد تعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها، من ازدحام وفوضى عمرانية وضعف خدمات واختناقات بيئية، في حين أن المرحلة الحالية تتطلب رؤية جديدة تقوم على الاستدامة والعدالة المكانية وتوزيع التنمية.
يرى كثير من الخبراء أن التعجل في إعادة إعمار العاصمة بشكلها السابق قد يكون خطأً استراتيجياً، لأن الخرطوم قبل الحرب كانت تعاني أصلاً من أزمات مزمنة:
تمدد عمراني عشوائي.
ضعف شبكات الصرف الصحي.
اختناقات مرورية حادة.
هشاشة البنية التحتية.
تراجع المساحات الخضراء.
ضغط سكاني هائل نتيجة النزوح والهجرة الداخلية.
لذلك فإن السودان يحتاج إلى رؤية عمرانية جديدة تجعل من إعادة الإعمار مشروعاً للتحديث والتحول، لا مجرد ترميم لما تهدم.
وتشمل هذه الرؤية:
إنشاء أحياء ذكية ومستدامة.
اعتماد الطاقة الشمسية والبدائل النظيفة.
توسيع المساحات الخضراء.
تطوير شبكات نقل جماعي حديثة.
تحسين إدارة المياه والنفايات.
التخطيط لمناطق صناعية وإنتاجية خارج الكثافة السكنية.
واحدة من أهم الأفكار التي يمكن أن يطرحها السودان في مرحلة ما بعد الحرب، هي الانتقال من نموذج “العاصمة الطاردة للأقاليم” إلى نموذج “المدن الإنتاجية المرتبطة بالريف”.
فالسودان يمتلك مساحات زراعية وموارد طبيعية ضخمة، لكن غياب الخدمات والبنية التحتية دفع ملايين السكان للهجرة نحو المدن الكبرى، ما خلق ضغطاً هائلاً على الخرطوم وغيرها.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مدن جديدة تنشأ حول مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني، بحيث تتحول إلى مراكز تنموية متكاملة تشمل:
التصنيع الزراعي.
الخدمات الصحية والتعليمية.
الأسواق ومراكز التخزين.
الطاقة المتجددة.
البنية الرقمية والاتصالات.
شبكات النقل واللوجستيات.
وهذا النموذج يمكن أن يحد من النزوح إلى العاصمة، ويخلق تنمية متوازنة بين الولايات، ويعيد الحيوية للاقتصاد الريفي
السودان بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى المساعدات الإنسانية، بل إلى مشروع وطني طويل الأمد يعيد بناء الإنسان والمكان معاً.
فالمدن المستدامة ليست مجرد مبانٍ حديثة، بل هي بيئة توفر:
الأمن الاجتماعي.
فرص العمل.
الخدمات الأساسية.
العدالة في توزيع الموارد.
الحماية البيئية.
القدرة على الصمود أمام الأزمات.
وهنا تبرز أهمية الاستفادة من التجارب العالمية التي تُناقش داخل المنتدى الحضري العالمي، خاصة في مجالات إعادة إعمار المدن المتأثرة بالحروب، والتخطيط الحضري المقاوم للكوارث، والتنمية الخضراء.
قد تبدو الحرب واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخ السودان الحديث، لكنها في الوقت نفسه قد تمثل فرصة نادرة لإعادة التفكير في شكل الدولة والتنمية والعمران.
فالمدن التي ستُبنى بعد الحرب يمكن أن تكون بداية لسودان جديد أكثر توازناً واستدامة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية العلمية والتخطيط السليم.
أما إعادة إنتاج المركزية القديمة والتمدّد العشوائي، فقد تعني ببساطة تأجيل الأزمات لا حلها.
وفي عالم يتحدث اليوم عن المدن الذكية والاقتصاد الأخضر والاستدامة، ربما يكون السؤال الأهم للسودانيين:
هل نبني ما كان قائماً فقط؟
أم نبني مستقبلاً مختلفاً بالكامل


