يوم الأرض 2026:“حين تضيق الحياة على البسطاء… الأرض تدفع ثمن الحرب
د.جلال محمد يس
في الثاني والعشرين من أبريل من كل عام، يقف العالم وقفة تأمل ومراجعة أمام كوكبه الوحيد، في مناسبة أصبحت رمزًا عالميًا للوعي البيئي منذ انطلاقها الأولى على يد غايلورد نيلسون عام 1970. ويأتي يوم الأرض 2026 هذا العام تحت شعار “قوتنا، كوكبنا”، في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الأزمات البيئية مع أزمات سياسية وإنسانية متصاعدة، وعلى رأسها الحروب والنزاعات التي باتت تشكل تهديدًا مباشرًا ليس فقط على الإنسان، بل على الأرض نفسها.
لقد كانت البيئة، لعقود، ضحية صامتة للحروب. فحين تشتعل النزاعات، تتراجع الأولويات البيئية إلى آخر الصفوف، ويصبح البقاء الإنساني هو الهم الأول، ولو كان ذلك على حساب استنزاف الموارد الطبيعية، وتدمير الغابات، وتلوث المياه، وتدهور التربة. فالقذائف لا تقتل البشر وحدهم، بل تقتل التوازن البيئي، وتُطلق كميات هائلة من الملوثات، وتحوّل الأراضي الخصبة إلى ساحات خراب.
وفي عالم اليوم، حيث تتزايد وتيرة النزاعات المسلحة، نرى بوضوح كيف أصبحت الأرض تدفع الثمن مضاعفًا. فالحروب تسرّع من وتيرة التغير المناخي عبر انبعاثات الكربون الناتجة عن العمليات العسكرية، وتُضعف قدرة الدول على الالتزام بالاتفاقيات البيئية، وتؤدي إلى نزوح جماعي يضغط على الموارد الطبيعية في مناطق أخرى.
السودان كجزء من هذا الكوكب تبدو الصورة فيه أكثر قسوة وتعقيدًا. فالحرب التي أنهكت البلاد لم تترك مجالًا للحديث عن الاستدامة أو حماية البيئة، حيث أصبح المواطن مشرداً ومشغولًا بتأمين أبسط مقومات الحياة: المأوى , الماء، الغذاء، والدواء. وفي خضم هذا الواقع، تتراجع الاعتبارات البيئية بشكل طبيعي، إذ يلجأ الناس إلى قطع الأشجار من أجل الوقود، واستخدام الموارد بشكل غير مستدام، فقط من أجل البقاء.
هذا التحول القسري في السلوك ليس خيارًا بقدر ما هو نتيجة مباشرة للظروف، لكنه في الوقت ذاته يحمل آثارًا طويلة المدى تهدد مستقبل الأجيال القادمة. فالأرض التي تُستنزف اليوم بلا ضوابط، قد لا تكون قادرة على العطاء غدًا.
إن السودان، بما يملكه من موارد طبيعية هائلة، يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول هذه الموارد إلى ضحية دائمة للنزاعات، أو أن تكون جزءًا من مشروع التعافي وإعادة البناء، عبر تبني نهج تنموي مستدام يوازن بين الحاجة الآنية والبقاء طويل الأمد.
شعار هذا العام قوتنا كوكبنا”… شعار يتجاوز الكلمات، هو دعوة صريحة لإعادة تعريف القوة. فالقوة الحقيقية لا تكمن في السلاح، بل في القدرة على حماية الحياة، وصون الموارد، وبناء مستقبل مستدام. وهو تذكير بأن الحلول المناخية لا يمكن أن تقتصر على السياسات الدولية وحدها، بل تتطلب مشاركة فاعلة من الأفراد والمجتمعات.
من حملات التشجير، إلى تقليل النفايات، إلى دعم الطاقة المتجددة، كلها خطوات قد تبدو صغيرة، لكنها حين تتكامل، تصنع فرقًا حقيقيًا. غير أن هذه الجهود تظل محدودة الأثر في ظل استمرار النزاعات، ما لم يُنظر إلى السلام باعتباره شرطًا أساسيًا لحماية البيئة.
إن حماية الارض اضحت ضرورة وجودية. وإن إنهاء الحروب ليس فقط مطلبًا إنسانيًا، بل هو أيضًا مطلب بيئي عاجل.
قوتنا الحقيقية… أن نحمي كوكبنا قبل أن يفقد قدرته على حمايتنا.


