“ما وراء الصراع”: تقرير يكشف كلفة الحرب ومستقبل السودان المعلّق

بعد ثلاث سنوات من القتال، يرصد التقرير حجم الخسائر البشرية والاقتصادية غير المسبوقة، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول ما يمكن إنقاذه إذا تحقق السلام.

السودان بين سيناريوهين: الانهيار الممتد أو نهضة ممكنة

سنطة/الخرطوم

بمناسبة مرور ثلاث سنوات على اندلاع الصراع في السودان، أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريرًا بعنوان: “ما وراء الصراع” (أبريل 2026)، تناول فيه بالأرقام والتحليل عمق الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، مع التأكيد على ضرورة التعجيل بإحلال السلام كمدخل أساسي لإنقاذ ما تبقى من الأمل قبل الانزلاق الكامل نحو الانهيار.

حرب السودان: الثمن الذي تدفعه أمة

بعد ثلاث سنوات من القتال، يرصد التقرير حجم الخسائر البشرية والاقتصادية غير المسبوقة، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول ما يمكن إنقاذه إذا تحقق السلام.

جيل سُلبت منه فرص التقدم

عند اندلاع النزاع في أبريل 2023، كان السودان يعاني أصلًا من هشاشة عميقة، لكن بعد ثلاث سنوات أصبحت الأوضاع أكثر تعقيدًا وقسوة. فكل يوم يضيف أرقامًا جديدة إلى سجل الخسائر: وفيات، نزوح، أطفال خارج المدارس، وأسر تنحدر إلى الفقر.

في عام 2023 وحده، انضم نحو 6.9 مليون شخص إلى دائرة الفقر المدقع نتيجة مباشرة للحرب، فيما تراجع متوسط دخل الفرد إلى أدنى مستوياته منذ عام 1992، متجاوزًا في سوءه أوضاع ثمانينيات القرن الماضي.

ولفهم حجم الخسارة، اعتمد التقرير على نماذج مقارنة تُظهر كيف كان يمكن أن يكون حال السودان لو لم تندلع الحرب، في قراءة مؤلمة لكنها تفتح الباب أمام التفكير في المستقبل: كيف يمكن تقليل الخسائر؟ وهل البلاد مهيأة للسلام عندما يحين؟

حتى في أفضل السيناريوهات—تحقيق السلام في 2026—يتوقع أن يخسر السودان ما يقارب 18.8 مليار دولار من ناتجه المحلي بحلول 2043، أي نحو 752 دولارًا للفرد، مما يعكس عمق الأثر طويل الأمد للحرب.

انهيار الخدمات الأساسية

تأثرت القطاعات الحيوية بشكل بالغ، إذ أُغلق أكثر من 70% من المرافق الصحية في مناطق النزاع، وارتفع معدل وفيات الرضع إلى 44.5 حالة لكل 1000 ولادة، مع توقعات بزيادة هذا الرقم. كما شهدت البلاد تفشي أمراض مثل الكوليرا، وارتفاع معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية والسل.

أما التعليم، فقد تعرض لضربة قاسية، حيث انقطع نحو 19 مليون طفل عن الدراسة، في ظل تدمير الجامعات وتوقف برامج التدريب، ما ينذر بتأثيرات طويلة الأمد على سوق العمل ومستقبل البلاد.

سيناريوهات قاتمة لمستقبل ممتد بالحرب

يطرح التقرير ثلاثة مسارات محتملة، أسوأها استمرار الصراع حتى عام 2030. في هذا السيناريو، قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى 23.1 مليار دولار بحلول 2043، مع خسائر تصل إلى 34.5 مليار دولار مقارنة بمسار خالٍ من النزاع، ووقوع نحو 34 مليون شخص إضافي في الفقر المدقع.

حتى في حال تحقق السلام دون إصلاحات جوهرية، فإن المؤشرات تبقى مقلقة، حيث يُتوقع أن يصل الفقر إلى 60% من السكان بحلول 2030، مع تعافٍ بطيء لاحقًا، دون تحقيق أهداف التنمية المستدامة أو الاستفادة من الطاقات الشبابية.

 

ما الذي يمكن أن يغير المسار؟

رغم كل ذلك، يؤكد التقرير أن السودان لا يزال يمتلك مقومات النهوض: أراضٍ زراعية واسعة تُقدّر بـ19.8 مليون هكتار، موارد مائية، موقع استراتيجي، وشريحة شبابية كبيرة.

في سيناريو “نهضة السودان”، الذي يجمع بين السلام في 2026 وإصلاحات شاملة، يمكن أن يصل الناتج المحلي إلى 58.2 مليار دولار بحلول 2043، مع زيادة دخل الفرد إلى 3176 دولارًا، وانتشال نحو 17.3 مليون شخص من الفقر المدقع، وارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى 77.3 عامًا، ونمو اقتصادي سنوي يبلغ 5%.

وتبرز الزراعة وإصلاح الحوكمة كأهم محركات التحول، حيث يمكن لكل منهما أن يساهم في إخراج ملايين السودانيين من دائرة الفقر، في علاقة تكاملية تعزز الاستقرار والتنمية.

فرص قائمة رغم الجراح

يشدد التقرير على أن الأمل لم ينطفئ بعد، وأن مسار السودان لا يزال مفتوحًا بين خيارين: استمرار التدهور، أو الانطلاق نحو التعافي.

فالخسائر التي لحقت بالناس—من نزوح وتعطيل للتعليم والخدمات—هي واقع مؤلم، لكن الموارد لا تزال موجودة، والمؤسسات رغم تضررها لم تنهَر بالكامل، كما أن الكفاءات السودانية في الداخل والخارج تمثل رصيدًا مهمًا للمستقبل.

يوضح التقرير أن الفارق بين أسوأ وأفضل السيناريوهات ليس بسيطًا، بل مصيريًا: إما تعميق الفقر والانهيار، أو انتشال الملايين واستعادة عافية الدولة.

وفي كل الأحوال، يواصل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دعمه للسودان عبر مشروعات تعزز سبل العيش، وتدعم الخدمات الأساسية، وتساهم في بناء السلام وتحسين الحوكمة، من خلال فرق ميدانية تعمل بالتنسيق مع الشركاء المحليين لتمكين المجتمعات من الصمود والاستعداد للمستقبل.

للإطلاع على التقرير :

DOC-20260414-WA0027.

 

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English