وللأشجار آذان.. حين يعانق خيال البادية حقائق العلم 

نعم، الأشجار تتحدث وتسمع.. والعلم الحديث يصدق ما ذهب إليه خيال الشعراء في البادية

وللأشجار آذان.. حين يعانق خيال البادية حقائق العلم 

ا.د طلعت دفع الله

بدأ الأمر بتعليق طريف وعميق في آنٍ واحد من *الأستاذ الدكتور محمد عبد الله الريح* ، حينما حذر مازحاً:

 “ما تتكل على شجرة وتفتو… بكرة كل الغابة بتكون عرفت الحكاية!”

هذه الدعابة لم تمر مرور الكرام، بل التقطها لأؤكد أن وراء هذه المزحة حقيقة علمية مذهلة،

 “نعم، الأشجار تتحدث وتسمع.. والعلم الحديث يصدق ما ذهب إليه خيال الشعراء في البادية!”. وأوضحت له كيف تتواصل الأشجار فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الأشجار لا تقف صامتة كما نعتقد، بل تمتلك لغتها الخاصة للتواصل، وهو ما يُعرف علمياً بـ “التواصل النباتي” (Plant Communication).عبر آليات معقدة، أبرزها:

شبكة الإنترنت الأرضية (Mycorrhizal Networks):

تحت سطح الأرض، ترتبط جذور الأشجار بشبكات معقدة من الفطريات تُعرف بـ “الشبكات الفطرية الجذرية”. تعمل هذه الشبكات تماماً مثل الإنترنت، حيث تنقل الأشجار عبرها إشارات كيميائية وكهربائية بطيئة لتحذير جاراتها من هجوم الحشرات أو تفشي الأمراض، بل وتقوم الأشجار الأمهات بنقل الغذاء عبر هذه الشبكة لدعم صغارها.

صرخة الاستغاثة بالموجات فوق الصوتية:

 في اكتشاف مذهل نُشر في مجلة (Cell) المرموقة عام 2023، أثبت العلماء أن النباتات عندما تشعر بالعطش الشديد أو الإجهاد (مثل قطع جزء منها)، تُصدر أصوات “نقر” سريعة بترددات فوق صوتية (Ultrasonic clicks). هذه الأصوات تشبه فرقعة الفقاعات، ورغم أن الأذن البشرية لا تلتقطها لارتفاع ترددها، إلا أن الحشرات وبعض الحيوانات القريبة (وحتى النباتات الأخرى) يمكنها سماعها من بُعد أمتار.

استشعار اهتزازات الخطر (السمع النباتي):

 لا تمتلك النباتات آذاناً، لكنها “تسمع” عبر استشعار الاهتزازات الدقيقة. وقد أثبتت جامعة ميسوري في دراسة سابقة أن بعض النباتات، مثل “أرابيدوبسيس”، قادرة على تمييز الذبذبات الصوتية الناتجة عن مضغ اليرقات لأوراقها. وبمجرد سماعها (استشعارها) لهذا الصوت المحدد، تبدأ فوراً في إفراز مواد كيميائية سامة للدفاع عن نفسها.

نداء الاستغاثة العطري:

 عندما تتعرض الشجرة للهجوم، تطلق مركبات كيميائية طيارة (VOCs) في الهواء. تلتقط الأشجار السليمة المجاورة هذه الروائح وتفهمها كرسالة تحذيرية، لتبدأ بدورها في إنتاج مواد كيميائية دفاعية قبل أن تصل إليها الحشرات المهاجمة.

هنا، تدخل *د. الصادق عبد الله ابو عائشة،* الذي أثارت هذه الحقائق العلمية في وجدانه شجون الأدب وذكريات البادية، فاستحضر حواراً شعرياً عذباً من كتاب “حكايات من البادية” يجسد هذا التواصل الرقيق في الطبيعة، معلقاً: “والشيء بالشيء يذكر.. ذكرتني يا بروف طلعت بقصيدة بين الفراشة والزهرة، وهو نص يعكس رهافة الحس وبساطة التعبير”.. وأورد أبياتها الجميلة:

الفراشة:

 صباحُ الخير يا أختي رأيتُكِ زينةَ البيتِ

عليكِ القَطْرُ ينهلُّ ويغسلُ وجهَكِ الطّلُّ

ويجلوكِ

الزهرة:

 صباحُ الخيرِ والنورِ سلمتِ اليومَ من ضيرِ

أراكِ زهرةً طارت وبين الزهرِ قد سارت

تحيَّر منيَ الفكرُ أطيرٌ أنتِ أم زهرُ

أجيبيني أفيديني

الفراشة:

 أراني زهرةً طارت وبين الزهرِ قد سارت

أقبِّلُ ذلك الزهرَ وأنشقُ ريحَهُ العطرَ

الزهرة:

 سعدتِ بنعمةِ السيرِ وفزتِ بخفةِ الطير

إلى هذي الزهيراتِ خذي عني تحياتي وتقبيلي

ما صوره الشاعر في حوار الزهرة والفراشة هو إلهام عظيم اقترب جداً من حقيقة خلق الله في الطبيعة. فالأشجار تتواصل كيميائياً، وتستشعر الاهتزازات (تسمع)، وتصدر ترددات صوتية (تتكلم).. وكأن الغابة مجتمع حي ينبض بالتكافل والتحذير المتبادل.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English