الفيل يُذبح في القضارف: قصة غابةٍ تعثّرت خطط إنقاذها وأباد أشجارها الجشع
ا.د طلعت دفع الله عبد الماجد

الاسم الرسمي للغابة هى غابة الرواشدة المركزية المحجوزة وهي أسم أقرب قرية لها ولكن يعرفهما المحليون ومعظم السودانيين بإسم غابة الفيل. تبلغ مساحة غابة الرواشدة المركزية المحجوزة 64551.85 فدان بعد إقتطاع 428.15 قدان لإنشاء مطار الشوك ومساحتها الحالية 60862.4062 فدان وتتبع إدارياً لغابات ولاية القضارف الإتحادية.
غابة الرواشدة المركزية المحجوزة، المعروفة شعبياً باسم غابة الفيل، واحدة من أهم الغابات الطبيعية في ولاية القضارف، وآخر ما تبقّى من الغطاء الشجري المتصل وسط ملايين الأفدنة من مشاريع الزراعة الآلية المطرية.
حُجزت الغابة رسمياً في ستينات القرن الماضي لحماية التربة من الانجراف، وصون موارد المياه، وحفظ التنوع الحيوي، وتوفير مورد مستدام للرعاة والمزارعين والسكان المحليين.
توفّر الغابة مرعى ومأوى لعشرات القبائل الرحّل والمستقرّة، وتشكّل محطة رئيسية في المرحال الشرقي، حيث تجد الحيوانات الظل والماء والحشائش في مواسم الجفاف والخريف معاً، مما يقلّل الاحتكاك والنزاعات بين الرعاة والمزارعين.

هذه الغابة يجتمع بها ملم الرعاة سنويا من اهلنا اللحويين، الضباينة، الحمران، الشكرية ، البادراب، و رعاة الابقار من البني عامر و الهدندوة وفلاتة امبررو وابالة الرشايدة .. وتشرب هذه المراحيل طيلة فترة الخريف والدرت بهذه الغابة واعداد كبيرة من الطيور العابرة والتنوع الحيوي حسب المواسم.
كما تُلبّي احتياجات القرى المحيطة من حطب الوقود ومواد البناء والمنتجات غير الخشبية مثل العسل والثمار والصمغ العربي، إضافة إلى دورها كموقع ميداني مهم للدراسات الجامعية والأبحاث في الغابات والمراعي والإيكولوجيا النباتية.
غياب خطط الإدارة وجهود التأهيل المتعثّرة

ظلّت غابة الرواشدة منذ حجزها عام 1960 تفتقر إلى خطة إدارة فنية مدروسة، إذ اقتصر التعامل معها على الاستفادة من الأشجار الساقطة طبيعياً دون أي تدخّل منظّم لتطوير مواردها أو صون غطائها الشجري. واستمر هذا الوضع طويلاً حتى جاء مشروع تطوير حطب الوقود للطاقة، الذي موّلته المملكة الهولندية ونفّذته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بالتعاون مع الهيئة القومية للغابات، ليضع أول خطة استغلال متكاملة للإنتاج الغابوي والرعوي تمتد خمس سنوات، شارك في تصميمها وتنفيذها مواطنو القرى المجاورة.
وفي هذا السياق، أعدّ الخبير A.T. Vink عام 1987 خطة إدارة فنية لغابة الرواشدة للفترة 1987–1991، تحت إشراف المشروع المشار إليه، وجاءت هذه الخطة متميزة في منهجها، إذ لم تُبنَ على رؤية فنية غابية ضيقة، بل صيغت عبر مقاربة تشاورية واسعة شارك فيها عدد معتبر من الخبراء والمتخصصين في مجالات الغابات والمراعي والموارد الطبيعية والدراسات الاجتماعية والاقتصادية، من كلية الغابات بجامعة الخرطوم، وكلية الجغرافيا، وجامعة الأحفاد، والهيئة القومية للغابات، والإدارة العامة للمراعي. ويُعتبر هذا التوجه، بمعايير ذلك الزمان، تطوراً لافتاً في إرث إعداد الخطط الفنية، لأنه سعى إلى النظر إلى الغابة بوصفها مورداً بيئياً وإنتاجياً ومجتمعياً متكاملاً، لا مجرد مساحة شجرية معزولة عن محيطها البشري والرعوي.
غير أنّ هذه الخطة، على ما انطوت عليه من جهد علمي وتشاوري متقدم، لم تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي على الأرض، ويُعزى ذلك في جوهره إلى تعقيد التقسيمات الحقلية التي اشتملت عليها، وصعوبة ترسيمها ميدانياً، فضلاً عن محدودية استيعاب بعض العاملين بالغابة لمضامينها الفنية والتقنية. وزاد الأمر تعقيداً أن الخطة لم تُراجع في عام 1991 وفق ما أوصت به هي نفسها، رغم توفر صور جوية للغابة وإجراء حصر شامل لمواردها قبيل انتهاء المشروع عام 1996، وهو ما أضعف فرص البناء التراكمي على ذلك الجهد وأفقد الغابة فرصة مبكرة لوضع إدارة فنية مستقرة ومستدامة

ولم تكن غابة الرواشدة مجرد مورد طبيعي محل استغلال أو نزاع، بل كانت أيضاً موضوعاً لجهد علمي واسع وممتد، إذ أُنجزت فيها دراسات كثيرة لطلاب الماجستير والدكتوراه من جامعات سودانية وأخرى خارجية، من بينها جامعات فنلندية، شملت الإدارة الفنية، والتربة، والمراعي، والموارد الطبيعية، والدراسات الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن حصر الموارد وتحليل التغيرات باستخدام تقانات الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية. ولهذا تُعتبر الغابة من أغنى الغابات السودانية من حيث القاعدة المعرفية وتراكم البيانات والخبرة البحثية، الأمر الذي يجعل ما آلت إليه أوضاعها اليوم أكثر إيلاماً، لأن التدهور هنا لم يقع في ظل غياب المعرفة، بل في ظل معرفة متوفرة لم تُترجم بما يكفي إلى حماية فعّالة وإدارة رشيدة.
وجاء الاهتمام مجدداً عام 2013، حين أعدّ السيد فتح العليم محيي الدين خطة فنية للفترة 2013–2017، مستنداً إلى بيانات المسوحات التي أجراها القطاع الفني الشرقي عام 2009، وإلى زيارة ميدانية معمّقة وتشاور مع خبراء سبق لهم العمل في المنطقة، ووثائق رئاسة غابات ولاية القضارف والإدارة الفنية للهيئة القومية للغابات. وقد أسفر هذا العمل عن خرائط واستنتاجات ذات مصداقية علمية معقولة، يُعوَّل عليها في وضع تصوّر واضح لإعادة تأهيل الغابة واستعادة دورها البيئي والاقتصادي.

وفي سياق هذا التوجّه، بادرت الإدارة المستدامة للغابات بالهيئة القومية للغابات، بقيادة الأستاذ موسى السفوري، المدير الحالي للهيئة، إبان رئاسته لتلك الإدارة، إلى عقد اجتماعات تشاورية مكثفة مع عدد من الخبراء والمختصين، بغرض إعداد خطة فنية وإدارية شاملة لغابة الرواشدة، تستفيد من الإرث الفني والخبرة التراكمية السابقة. غير أنّ هذه الجهود، على أهميتها، لم تكتمل بالصورة المطلوبة، إذ حالت ظروف الحرب دون استيفائها وإنزالها إلى مرحلة التنفيذ العملي.
لكن في العقود الأخيرة تعرّضت غابة الرواشدة لاعتداءات متكرّرة أدّت إلى تدهور واسع؛ إذ تُظهِر دراسات الغطاء الأرضي بالاستشعار عن بعد أن مساحة الأشجار انخفضت من نحو 94٪ من مساحة الغابة عام 1984 إلى حوالي 61٪ فقط عام 2013، مقابل زيادة كبيرة في الزراعة الآلية والأراضي العارية داخل حدود الغابة.
وتبيّن دراسات أخرى على الفترة 1988–2018 أن أكثر من نصف مساحة الغابة شهدت تغيّراً في الغطاء الأرضي، مع تحوّل مساحات واسعة من الأشجار إلى زراعة مطرية، ومراعٍ منهكة، وأرض خالية، بفعل القطع الجائر والتوسع الزراعي والرعي غير المنظم.
هذه النتائج العلمية تتقاطع مع تحذيرات الباحثين من أن الغابة مهدّدة بفقدان قيمتها التاريخية وخدماتها المتعددة ما لم يُنفَّذ برنامج عاجل لإعادة التأهيل وتنظيم الاستغلال، يقوم على شراكة حقيقية مع المجتمعات المحلية بدلاً من إدارتها بعزل تام عن إنسان المنطقة.

وعلى الأرض، تؤكّد إفادات النشطاء والتقارير الميدانية أنّ ما يجري في غابة الفيل والأحزمة الشجرية بالقضارف يرقى إلى «إبادة بيئية بلا رحمة»، بسبب تحويل الأشجار إلى فحم وحطب بصورة عشوائية ومستمرّة، مع دخول الزراعة داخل الغابة وغياب فعّال للرقابة وتطبيق القانون.
ويأتي تسجيلات المواطنين المصوَّرة، مثل الفيديو الذي يظهر فيه أحد أبناء المنطقة وسط الغابة وهو يصف كيف كانت كثيفة إلى درجة يصعب دخولها ثم تحوّلت اليوم إلى أرض مكشوفة يحيط بها الفحم والأخشاب المقطوعة على قارعة الطريق، لتقدّم شاهداً مباشراً على حجم الدمار الذي لا تعكسه الأرقام وحدها.
إن غابة الرواشدة/الفيل اليوم عند مفترق طرق: إما أن تُحْمَى بصرامة عبر إيقاف القطع الجائر، وتنظيم الرعي والزراعة داخل حدودها، وتفعيل قانون الغابات وسياسات الإدارة التشاركية مع المجتمعات، وإطلاق برنامج جاد لإعادة التأهيل؛ وإما أن نفقد واحدة من أهم الرئات الخضراء في شرق السودان، بما تحمله من حياة ورزق وأمن بيئي لأجيال الحاضر والمستقبل.


