الغابات والاقتصادات: السودان أمام فرصة لبناء اقتصاد أخضر مستدام
د.جلال محمد يس

في إطار الاحتفاء بـ اليوم الدولي للغابات 21 مارس 2026، والذي يأتي هذا العام تحت شعار “الغابات والاقتصادات”, تتجه الأنظار عالميًا نحو الدور الحيوي الذي تلعبه الغابات في تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، ليس فقط كمصدر للأخشاب والمنتجات التقليدية، بل كركيزة أساسية في بناء اقتصادات حيوية منخفضة الكربون.
الغابات: محرك اقتصادي متعدد الأبعاد
لم تعد الغابات تُقاس قيمتها فقط بما تنتجه من أخشاب أو موارد أولية، بل بما توفره من خدمات بيئية واقتصادية متكاملة. فهي تدعم سلاسل القيمة المرتبطة بالزراعة الأسرية، وتعزز إنتاجية الأراضي الزراعية عبر تحسين خصوبة التربة، كما تسهم في حماية مستجمعات المياه، وهو ما ينعكس مباشرة على استدامة النشاط الزراعي والرعوي.
ومع تزايد التوجه العالمي نحو الاقتصاد الأحيائي، تبرز المنتجات الحرجية كبدائل صديقة للبيئة للمواد عالية الانبعاثات، مما يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار وخلق فرص العمل، خاصة في المجتمعات الريفية.
السودان: إمكانيات كبيرة وتحديات قائمة
يمتلك السودان ثروة غابية معتبرة، تمتد عبر الأحزمة البيئية المختلفة، من الغابات النيلية إلى السافنا الغنية. إلا أن هذه الموارد تواجه تحديات متزايدة، أبرزها التوسع الزراعي غير المنظم، والقطع الجائر للأشجار، واستخدام وسائل تقليدية في إنتاج الفحم النباتي.
في هذا السياق، تضطلع الهيئة القومية للغابات بدور محوري في حماية الموارد الغابية وتنميتها، من خلال سياسات وبرامج تهدف إلى إعادة تأهيل الغابات، وتنظيم استغلالها، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها الاقتصادية والبيئية.
جهود وطنية لتعزيز الرقعة الخضراء

شهدت السنوات الأخيرة حراكًا ملحوظًا في مجال التشجير وزيادة الرقعة الخضراء، بمشاركة منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشبابية. وتشمل هذه الجهود:
تنفيذ حملات تشجير في المدن والقرى
دعم مشاريع الغابات المجتمعية
إدخال نظم الزراعة المختلطة (Agroforestry)
تشجيع استخدام الطاقة البديلة للحد من قطع الأشجار
كما تسعى الجهات المختصة إلى ربط هذه الجهود برؤية اقتصادية واضحة، تجعل من الغابات مصدر دخل مستدام للمجتمعات المحلية، بدلًا من استنزافها.
نحو اقتصاد غابي مستدام
يتطلب بناء اقتصاد قائم على الغابات في السودان تبني نهج متكامل يضع الإنسان في قلب العملية التنموية، من خلال:
تمكين المجتمعات المحلية من إدارة الموارد الغابية
تطوير الصناعات المرتبطة بالمنتجات الحرجية (مثل الصمغ العربي والعسل)
تحسين سلاسل القيمة والتسويق
تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص
الإنسان محور التنمية
إن تحقيق الاستفادة القصوى من الغابات لا يمكن أن يتم دون إشراك المجتمعات المحلية، باعتبارها الحارس الأول لهذه الموارد. فالتنمية الحقيقية هي التي توازن بين الحفاظ على البيئة وتحسين سبل العيش، وهو ما يتطلب سياسات مرنة، واستثمارات ذكية، وتوعية مستمرة.
في يوم الغابات العالمي، تتجدد الدعوة إلى النظر للغابات باعتبارها أصلًا اقتصاديًا استراتيجيًا، وليس مجرد مورد طبيعي. وبالنسبة للسودان، فإن الفرصة متاحة لبناء نموذج وطني رائد في الاقتصاد الأخضر، يعزز الاستدامة، ويوفر فرص العمل، ويحفظ الموارد للأجيال القادمة.


