رمضانيات | إعلاميون من أجل البيئة والتنمية المستدامة
رمضان كريم، والله أكرم.

أهلّ علينا شهر رمضان بكل خيراته وبركاته، وهو شهرٌ عظيم يستعيد فيه المسلم توازنه الروحي والمادي، ويتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، ويجدّد علاقته بخالقه وبنفسه وبالكون من حوله. ففي هذا الشهر المبارك، لا يقتصر أثر الصيام على الجانب التعبدي فحسب، بل يمتد ليحقق توازناً صحياً وبيولوجياً وفسيولوجياً لجسد الإنسان، ويعيد إليه انتظامه وانسجامه الطبيعي.
وعندما خلق الله الإنسان واستخلفه في الأرض، وضع له منهجاً متكاملاً يقوده إلى الصلاح، ويحفظ له جسده وبيئته التي تعتمد عليها حياته. ومن أهم هذه الموجهات الإلهية النهي عن الإسراف في الطعام والشراب، قال تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
ومن هذه الآية الكريمة نستخلص توجيهات عظيمة تدعو إلى الاعتدال في الاستهلاك، والحفاظ على الموارد، وصون البيئة، وهي ذات القيم التي تقوم عليها أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الأمم المتحدة ضمن خطة عام 2030، وهي خطة عالمية لتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع، من خلال مواجهة تحديات الفقر، وعدم المساواة، وتغير المناخ، وتدهور البيئة، وتحقيق السلام والعدالة والازدهار.

ويأتي شهر رمضان كنموذج عملي لهذه القيم، حيث تتجلى فيه العديد من أهداف التنمية المستدامة. فمن خلال الصدقات والزكاة والتكافل الاجتماعي، يسهم رمضان في مكافحة الفقر والجوع، ويعزز روح التضامن بين أفراد المجتمع. كما أن الصيام يدعو إلى ترشيد الاستهلاك، وعدم الإسراف، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصحة الجيدة، والحفاظ على الموارد، وضمان حق الجميع في المياه النظيفة والغذاء السليم.
كما يدعونا رمضان إلى العلم والتدبر والتأمل، وهو ما يتوافق مع أهداف التعليم الجيد وبناء الوعي. ففي هذا الشهر المبارك يكثر المسلمون من تلاوة القرآن وتدبر معانيه، وهو منهج متكامل يرشد الإنسان إلى حسن إدارة الموارد، والعمل الصالح، وتحقيق التوازن في الحياة. قال تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وهي دعوة صريحة للعمل والإنتاج والمسؤولية.
وقال تعالى:
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾، في إشارة إلى التوازن البيئي الدقيق الذي يجب أن نحافظ عليه.
كما قال سبحانه:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾، وهي إشارات تدعو إلى التأمل في مصادر الطاقة والكون، وما تحمله من دلالات على أهمية التوازن والاستدامة.
إن الصيام لا يحقق فقط تطهيراً روحياً، بل يسهم أيضاً في تطهير الجسد، ومنحه فرصة للتجدد والتعافي. كما أن تقليل الاستهلاك خلال هذا الشهر ينعكس إيجاباً على البيئة، من خلال تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية، ومنح الطبيعة فرصة لاستعادة توازنها في البر والبحر والجو.
لذلك، ينبغي أن نتعامل مع شهر رمضان كنقطة تأمل شاملة، لا في الجوانب الروحية فحسب، بل في الجوانب الصحية والبيئية والاجتماعية، وأن نجعله فرصة لتصحيح سلوكنا الاستهلاكي، وتعزيز مسؤوليتنا تجاه كوكبنا الذي نعيش عليه.
رمضان شهر الخير والبركات، شهر التوازن والإصلاح، شهر العمل والتكافل، وشهر العودة إلى الفطرة السليمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“الصيام جُنّة”، وهو وقاية للنفس والجسد والمجتمع.
نسأل الله أن يجعله شهر خيرٍ وبركةٍ وصلاح، وأن يعيننا فيه على طاعته، وحسن عمارة الأرض، وصون البيئة، وتحقيق الخير لأنفسنا وللبشرية جمعاء.



