شراكة التعليم الأخضر: التعليم بوابة التنمية المستدامة وصناعة المستقبل الآمن

الخرطوم / سنطه – 24 يناير
يحتفل العالم في الرابع والعشرين من يناير من كل عام بـ اليوم الدولي للتعليم، وهي مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لتأكيد أن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان، ومنفعة عامة، ومسؤولية جماعية، وأحد أهم ركائز السلام والتنمية المستدامة. ويأتي الاحتفال هذا العام في ظل تحديات عالمية متسارعة، أبرزها تغيّر المناخ، واتساع فجوة عدم المساواة، والتحولات الرقمية، ما يجعل من التعليم أداة حاسمة لإعادة تشكيل المستقبل.
التعليم حق… وليس امتيازًا
يشكّل التعليم المفتاح الرئيسي للقضاء على الفقر، وتقليل أوجه عدم المساواة، وبناء مجتمعات قوية وقادرة على الصمود. وقد كفل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته (26) الحق في التعليم، مؤكداً مجانية وإلزامية التعليم الأساسي، فيما عززت اتفاقية حقوق الطفل هذا الحق ليشمل إتاحة فرص التعليم العالي للجميع.
ورغم هذا الإطار الحقوقي، لا يزال الواقع مقلقًا، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 244 مليون طفل ومراهق حول العالم خارج المدارس، ويعجز 617 مليون طفل ومراهق عن اكتساب مهارات القراءة والحساب الأساسية، وهي فجوة تهدد فرص التنمية العادلة والمستدامة.
التعليم مفتاح تحقيق أهداف التنمية المستدامة
مع اعتماد أجندة 2030 للتنمية المستدامة، أقرّ المجتمع الدولي بأن التعليم يشكّل الأساس لتحقيق الأهداف السبعة عشر كافة، لا سيما الهدف الرابع الذي ينص على “ضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة”. ومن دون تعليم فعّال وشامل، لن تتمكن الدول من كسر حلقة الفقر، أو تحقيق المساواة بين الجنسين، أو بناء اقتصادات قادرة على مواكبة التحولات العالمية.
شراكة التعليم الأخضر: تأهيل كل متعلم لمواجهة تغيّر المناخ

في هذا السياق، تبرز شراكة التعليم الأخضر (Green Education Partnership – GEP) بوصفها مبادرة عالمية رائدة تتبنى نهجًا شاملًا لدعم الدول في مواجهة أزمة المناخ، عبر تسخير الدور المحوري للتعليم. وتعمل الشراكة كمنصة تعاونية تضم الحكومات، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني، والشباب، والمؤسسات الأكاديمية، والقطاع الخاص، بهدف تمكين كل متعلم من اكتساب المعرفة والمهارات والقيم والاتجاهات اللازمة للتعامل مع تحديات تغيّر المناخ وتعزيز التنمية المستدامة.
التعليم الأخضر: معرفة من أجل كوكب آمن
يمكّن التعليم الأخضر المتعلمين من جميع الأعمار من فهم التحديات العالمية المترابطة، مثل تغيّر المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، وسوء استخدام الموارد الطبيعية، وعدم المساواة. كما يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات واعية، والمساهمة الفاعلة في حماية البيئة وإحداث تغيير إيجابي في مجتمعاتهم، خاصة في ظل التحول نحو الاقتصادات الرقمية والخضراء.
أربع ركائز للتعليم التحويلي
ترتكز شراكة التعليم الأخضر على أربع ركائز أساسية تمثل خارطة طريق لإصلاح التعليم:
تخضير المدارس: تحويل المدارس إلى بيئات تعليمية مستدامة تدعم العمل المناخي من خلال المناهج، والمرافق، والإدارة، والشراكات المجتمعية.
تخضير المناهج الدراسية: إدماج مفاهيم تغيّر المناخ والاستدامة في جميع المواد وعلى مختلف المستويات التعليمية.
تخضير تدريب المعلمين: بناء قدرات المعلمين ووضع معايير مهنية تشمل قضايا المناخ والاستدامة.
تخضير المجتمعات: تعزيز التعلم مدى الحياة على مستوى المجتمعات المحلية لرفع قدرتها على التكيّف مع آثار تغيّر المناخ.
فجوة تمويل يجب ردمها
على الرغم من الدور الحاسم للتعليم في مواجهة تغيّر المناخ، لا يحصل التعليم حاليًا إلا على أقل من 2% من إجمالي تمويل المناخ عالميًا، وهي فجوة كبيرة تستدعي تحركًا عاجلًا لزيادة الاستثمار في التعليم بوصفه أداة للتكيّف والوقاية وبناء المجتمعات القادرة على الصمود.
مدارس خضراء… من الفكرة إلى التطبيق
في خطوة عملية، أصدرت اليونسكو معيارين عالميين جديدين لتطوير المدارس والمناهج نحو بيئة خضراء، بهدف تمكين الشباب من أداء دور فعّال في مواجهة أزمة المناخ. وتسعى هذه الجهود إلى تحويل ما لا يقل عن 50% من مدارس كل دولة إلى مدارس خضراء بحلول عام 2030، بما يعزز المعرفة والمهارات المرتبطة بالأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية للتنمية المستدامة.
الشباب في قلب التحول التعليمي
يمثل الشباب أكثر من نصف سكان العالم، وهم القوة الدافعة للابتكار والتغيير الاجتماعي. غير أن كثيرين منهم لا يزالون يواجهون تحديات الفقر، وعدم المساواة، وضعف فرص التعليم والعمل اللائق. ومن هنا، يصبح إشراك الشباب كشركاء فاعلين في إعادة تصور نظم التعليم شرطًا أساسيًا لبناء منظومات تعليمية حديثة، مرنة، وشاملة تستجيب لتطلعاتهم.
قيادة تعليمية فعّالة من أجل جودة مستدامة
تؤكد التقارير الدولية أن القيادة المدرسية تُعد ثاني أهم عامل مؤثر في مخرجات التعلم بعد المعلم. فالقيادات التعليمية الفاعلة، على مستوى المدارس والسياسات، تشكّل ركيزة أساسية لتحسين جودة التعليم وترسيخ قيم الاستدامة، مع مراعاة السياقات الاجتماعية والثقافية والحوكمية لكل بلد.
دعوة للعمل
في اليوم الدولي للتعليم، تتجدد الدعوة إلى توفير بيئات تعليمية آمنة، شاملة، ومنصفة، وإلى الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية وأساس التنمية. فالتعليم ليس مجرد خدمة، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل البشرية، وضمانة أساسية لتحقيق السلام، وحماية كوكب الأرض، وبناء عالم أكثر عدلًا واستدامة.
إن الاستثمار في التعليم اليوم… هو الاستثمار الأذكى لمستقبل أخضر وآمن للأجيال القادمة.


