التصحر يطارد السودان… والغابات تقاوم: حكايات من نهر النيل والشمالية (1970–1990)

في السودان اليوم، يكاد يجمع الخبراء والمزارعون على أن أكبر تهديد يواجه البلاد هو التصحر وزحف الرمال

التصحر يطارد السودان… والغابات تقاوم: حكايات من نهر النيل والشمالية (1970–1990)

أ.د طلعت دفع الله عبد الماجد

في السودان اليوم، يكاد يجمع الخبراء والمزارعون على أن أكبر تهديد يواجه البلاد هو التصحر وزحف الرمال. ولعل ولايتي نهر النيل والشمالية تقدمان نموذجًا واضحًا لهذا الصراع اليومي بين الإنسان والرمال، بين الغابة والصحراء.

تقع الولايتان في الحزام الصحراوي وشبه الصحراوي، حيث المطر نادر، والحرارة عالية، والرياح الشمالية الشرقية لا تهدأ معظم العام. هذه الرياح لا تنقل نسيمًا عليلًا، بل تحمل معها كميات هائلة من الرمال، تُكوِّن كثبانًا تتحرك ببطء ولكن بثبات، نحو القرى والمزارع وقنوات الري والطرق.

ادي زحف الرمال العابرة نحو مجرى النيل في بعض مناطق الشمالية إلى تقلص مساحات زراعية مثل حوض العفاض انخفض من نحو 150 ألف فدان إلى 100 ألف فدان، وحوض السليم من 93 ألف فدان إلى 13 ألف فدان فقط. هذه ليست مجرد أرقام، بل فقدان مساحات كانت تعيل آلاف الأسر.

*التصحر لم يكن مشكلة بيئية فقط؛* بل حمل معه آثارًا اجتماعية واقتصادية عميقة. تدهورت الأراضي الزراعية، وازدادت كلفة صيانة قنوات الري وحماية الحقول، فاضطر كثير من الشباب إلى الهجرة نحو المدن أو خارج البلاد. ازدادت معدلات الفقر، وتراجعت مبادرات التنمية الريفية، وأصبح بقاء الناس في قراهم تحديًا حقيقيًا. في مواجهة هذا الواقع، شهدت ولايتا نهر النيل والشمالية بين عامي 1970 و1990 تنفيذ ما يقارب 12 مشروعًا للتنمية ومكافحة التصحر. هذه المشاريع، التي موّلتها جهات دولية وإقليمية، حاولت أن توازن بين حماية البيئة وتحسين سبل العيش للناس.

ركزت التدخلات على إنشاء أحزمة شجرية ومصدات رياح حول القرى والمزارع، وتثبيت الكثبان الرملية، وتوفير مصادر بديلة لحطب الوقود. تم إنشاء مشاتل قروية ومدرسية ومنزلية لإنتاج الشتول، واستخدام “المترات” لري الأشجار، وزراعة أنواع شجرية متعددة: المسكيت (الذي كان يُنظر إليه وقتها كحليف ضد الرمال)، إضافة إلى السلم، السيسبان، المرخ، الهجليج، الكافور، وأنواع أخرى.

بعض هذه المشاريع حقق نجاحات ملموسة؛ أحزمة خضراء أوقفت الرمال، وقرى شعرت لأول مرة بأن الغابة تحميها بدل أن تكون بعيدة عنها. لكن في المقابل، ظهرت مشاكل متكررة تقاطعت فيها الجوانب الفنية مع الاجتماعية والإدارية.

اولا: هذه التحديات كان *ضعف الاستدامة بعد توقف التمويل الخارجي* . فمع نهاية عمر المشروع، تراجعت القدرة على توفير الوقود والصيانة والتشغيل، فتدهورت بعض المشروعات أو توقفت تمامًا.

ثانيًا: اتضح أن كثيرًا من التصاميم كانت نظرية أكثر من كونها واقعية؛تم تطبيق نماذج جاهزة لم تراعِ دائمًا اختلاف التربة والمياه وأولويات القرى، فنجحت في مواقع وفشلت في أخرى.

ثالثًا: عانى القطاع من ضعف التنسيق المؤسسي؛تعددت الجهات المنفذة وتداخلت الأدوار، فازدادت المسوحات وقلّت النتائج، وضاعت فرصة توحيد الموارد والجهود.

على الجانب الاجتماعي، كانت مشاركة المجتمعات المحلية محدودة في تصميم المشاريع واتخاذ القرار. فلم يشعر كثير من السكان بأنهم “أصحاب” هذه الأحزمة الشجرية، بل رأوها “مشاريع ضيوف” تأتي مع المانحين وترحل معهم.

من الدروس المهمة أيضًا أن التقانات البسيطة الملائمة للبيئة المحلية كانت أكثر نجاحًا من المعدات الثقيلة المعقدة. التجارب أظهرت أن المترات والمشاتل المنزلية والمدرسية أعطت أثرًا أعمق من الآليات التي تحتاج قطع غيار وخبرات غير متوفرة.

أما على صعيد تمكين المرأة، فقد قدّم مشروع الغابات النسوي نموذجًا ملهمًا؛إشراك النساء في المشاتل المنزلية، وزراعة الخضروات، واستخدام المواقد المحسّنة، لم يكن مجرد نشاط اجتماعي، بل رافعة اقتصادية بيئية حقيقية.

كما لعب الإرشاد المبتكر دورًا لافتًا؛استخدام مسرح العرائس، والمشاتل المدرسية، والزيارات التوضيحية، أثبت أن توصيل الرسالة البيئية بطريقة ممتعة ومناسبة للثقافة المحلية يمكن أن يغيّر السلوك أكثر من آلاف المنشورات.

*أثارت تجربة استخدام المسكيت جدلًا واسعًا* : فهو من ناحية أثبت كفاءة عالية في تثبيت الرمال وحماية بعض القرى، ومن ناحية أخرى ظهرت له آثار سلبية في مناطق أخرى.

الدرس الرئيس هنا أن القرار لا ينبغي أن يكون “مع” أو “ضد” المسكيت بشكل مطلق، بل وفق تقييم علمي دقيق وإدارة رشيدة لكل موقع، مع البحث عن بدائل واقعية.

كما بيّنت التجارب أن الأحزمة الشجرية ليست فقط دروعًا في وجه الرمال، بل فرصًا اقتصادية كامنة: حطب منظم، أعلاف، خشب خفيف، وثمر في بعض الأنواع.

لو ارتبطت هذه الأحزمة بحسابات بسيطة للعائد الاقتصادي، لكان التزام السكان بحمايتها أكبر وأقوى. وأثبتت المشاريع الناجحة أن الغابات لا يمكنها وحدها مواجهة التصحر؛لابد من تكاملٍ بين الغابات والزراعة والري والجهات المحلية والمجتمع المدني، حتى لا تتحول الجهود إلى “جزر معزولة” في بحر من التحديات.

كما ظهر بوضوح أن العوامل الاجتماعية والثقافية ليست هامشية؛النجاح كان أكبر حيث استُخدمت قيم مثل “النَفرة” والعمل الجماعي، وحيث بُني المشروع على أعراف الناس بدل أن يتجاهلها.

تكشف هذه التجارب الميدانية أن الغابات ليست *مجرد أشجار، بل خط الدفاع الأول ضد التصحر* ،ووسيلة لحماية القرى والمزارع وقنوات الري، وفي الوقت نفسه منصة لتمكين النساء والشباب ونشر الوعي البيئي. لكنها تكشف أيضًا أن أي مشروع بيئي يظل ناقصًا إذا لم يُدمَج مع بعد اجتماعي واقتصادي واضح يضمن استمراره بعد انتهاء التمويل، ويخفف من دوافع الفقر والهجرة.

اليوم، ونحن نعيد قراءة هذه التجارب في ظلّ تصحّرٍ متسارعٍ وحربٍ أرهقت البلاد وأتت على كثير من الأخضر واليابس، يتجدّد رجاؤنا أن يعمّ السلام قريبًا ربوع السودان، وأن تُوضع مشروعات مكافحة التصحّر في صدارة أولويات إعادة الإعمار في ولايات نهر النيل، والشمالية، والخرطوم، وشمال كردفان، وشمال دارفور، وكسلا، والنيل الأبيض، كما حددتها خطة عمل السودان ضمن مبادرة السياج الأخضر الإفريقي العظيم. فهذا السياج لا يقوم على زراعة الأشجار فحسب، بل على حزمةٍ تنمويةٍ متكاملة تشمل التشجير والصحة والتعليم والمياه والزراعة. والحاجة اليوم ماسّة إلى جيلٍ ثانٍ من المشاريع يتعلّم من دروس الماضي، ويجمع بين حماية البيئة وتعزيز سُبل العيش، ويضع الاستدامة والمشاركة المجتمعية في قلب كل تدخّل لمواجهة التصحّر، حتى تبقى المجتمعات في أرضها… خضراء، آمنة، وقادرة على الصمود.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English