المسكيت في الجزيرة: من منطق الإبادة إلى منطق الإدارة الرشيدة

المطلوب ليس تجييش الناس ليوم أو أسبوع، بل إنشاء لجان مجتمعية دائمة لإدارة المسكيت في كل وحدة إدارية، تضم المزارعين، ورعاة الماشية، والشباب، والنساء.

المسكيت في الجزيرة: من منطق الإبادة إلى منطق الإدارة الرشيدة

أ.د طلعت دفع الله عبد الماجد

المنسق الأسبق للمسكيت بالهيئة القومية للغابات

أولاً لا بد من التنويه بجهد الإخوة في ولاية الجزيرة ولجنة الإسناد والمقاومة الشعبية في اهتمامهم بقضية المسكيت، وبحماسهم لحماية مشروع الجزيرة وقرى الولاية من آثاره السالبة. غير أن شعار “الجزيرة خالية من المسكيت”، وربط الشجرة بالجنجويد، قد يدفع – بحسن نية – إلى قرارات انفعالية لا تستند إلى العلم ولا إلى تجارب السودان والدول الأخرى مع هذه الشجرة المعقدة.

ماذا تقول التجربة العلمية عن المسكيت؟

المسكيت (Prosopis juliflora وأقاربها) شجرة مدخلة، ليست أصيلة في بيئة السودان. أُدخلت إلى البلاد في بدايات القرن العشرين لأغراض تثبيت الكثبان الرملية وتوفير الحطب والظل، وانتشرت لاحقًا على نطاق واسع في ولايات النيل والجزيرة وكسلا والبحر الأحمر وغيرها.

هذه الشجرة تحمل صفات “صديق وعدو في آن واحد”:

أهم الفوائد

جذورها العميقة تحسن بنية التربة وتثبتها ضد الانجراف، وأخشابها ممتازة للفحم والحطب، وقرونها علف جيد للمواشي إذا استُخدمت بجرعات مدروسة، كما يمكن استعمالها في إنتاج ألواح خشبية مضغوطة وعسل الغابات.

الأضرار

تنمو بسرعة، وتكوّن أحراشًا كثيفة تعيق الزراعة والرعي، تغلق القنوات والمجاري، تنافس المحاصيل على الماء، وتحتل الأراضي الخصبة إذا تُركت دون إدارة، وتُصنَّف اليوم كأحد أخطر الأنواع الغازية في السودان وشرق أفريقيا

 لماذا تفشل حملات الإبادة الشاملة؟

من خلال خبرتي الطويلة مع ملف المسكيت في السودان وفي المملكة العربية السعودية، وفي ضوء الدراسات المنشورة، يمكن تلخيص ثلاثة أسباب رئيسية تجعل شعار “القضاء على المسكيت” غير واقعي:

المخزون البذري في التربة: المسكيت ينتج كميات هائلة من البذور، جزء كبير منها يدفن في التربة أو يمر عبر أجهزة هضم الماشية ويظل حيًّا لسنوات طويلة. كلما أزلنا الأشجار الكبيرة دون متابعة، أُتيحت الإضاءة والرطوبة للبذور المدفونة فأنبتت أعدادًا أكبر من الشتلات. أبحاث عدة تشير إلى بقاء بذور المسكيت حية في التربة لأكثر من عشر سنوات

الجذور العميقة والقدرة العالية على التجديد: للمسكيت جذور رئيسية قد تصل إلى أعماق تفوق 20–40 مترًا في بعض البيئات الجافة، مع جذور جانبية قوية. عند القطع السطحي تعاود الشجرة النمو من الكعب او كم نسميه الضقل بعد شهور قليلة، وغالبًا ما تتحول إلى شجيرة متعددة السيقان أكثر كثافة من الأصل. لذلك يحتاج التخلص من الشجرة الواحدة إلى اقتلاع الجذع مع “الياقة الجذرية” أو استخدام مبيد متخصص على الكعب بعد القطع، مع متابعة متكررة لعدة سنوات.

التجارب الوطنية والدولية:

تقارير وطنية سودانية، منها التقرير الوطني الخامس للتنوع الأحيائي، تذكر بوضوح أن حملات مكافحة المسكيت السابقة كانت مكلفة جدًا وغير ناجحة أو غير مستدامة؛ فبعد إزالة المساحات تعود الأحراش خلال سنوات قليلة بسبب ضعف المتابعة وغياب البديل. تجارب بلدان أفريقية مثل كينيا وإثيوبيا توصلت إلى النتيجة نفسها: الإبادة الشاملة غير واقعية عندما تكون الإصابة واسعة، والحل هو الإدارة المتكاملة وتقليل الكثافة والحد من الانتشار مع تعظيم المنافع الممكنة.

إذن من منظور علمي وتجريبي، الحديث عن “إزالة 80 مليون شجرة مسكيت من الجزيرة” في حملة شعبية واحدة ليس خطة؛ بل شعار محفوف بمخاطر فشل كبيرة، وقد يترك وراءه أراضي جرداء أو أحراشًا أكثر سماكة بعد سنوات قليلة.

من المسكيت كعدو إلى المسكيت كـصديق مُدار”

خلاصة قناعتي – بعد سنوات من العمل الميداني ونشر كتاب عن المسكيت مع زملاء بهيئة البحوث الزراعية – أن أفضل طريقة للتعامل مع المسكيت هي اعتباره مورداً يجب ضبطه لا عدوًا يجب استئصاله.

المطلوب ليس الدفاع عن الشجرة، بل الدفاع عن العقلانية:

نخفّض كثافته في الأماكن الحساسة

نستفيد منه اقتصاديًا حيثما أمكن

نمنع تمدده إلى مناطق جديدة

ونعوّض المساحات التي نزيله منها بزراعات شجرية نافعة أخرى.

.ما الذي نريده في ولاية الجزيرة تحديدًا؟

ولاية الجزيرة حالة خاصة: مشروع مرويّ واسع، كثافة سكانية عالية، قنوات ري، وقرى متقاربة. لذلك يمكن تلخيص الأهداف الواقعية في ثلاثة محاور:

حماية مشروع الجزيرة والبنى التحتية

– إزالة المسكيت بالكامل من قنوات الري، الطرق الرئيسية، وحواشات المزارعين العاملة.

– منع ظهور أحراش جديدة حول القرى ومواقع الخدمات.

الاستفادة المنظمة من المساحات خارج الحواشات

– في أطراف الترع، وعلى الحدود الخارجية للمشروع، وفي الأراضي الحدّية يمكن تخفيف كثافة المسكيت إلى كثافة “منتزه” (أشجار متباعدة) واستخدامه كمصدر منظم للفحم والحطب والعلف بعد وضع ضوابط صارمة.

الحد من التوسع نحو مناطق جديدة

–منع نقل القرون والبذور مع الأعلاف، تنظيم حركة المواشي التي تنثر البذور، وتركيز الجهود على حزام عازل يمنع زحف المسكيت إلى المناطق الخالية حاليًا.

 ملامح بروتوكول للإدارة الرشيدة للمسكيت

التخطيط ورسم الخرائط

إعداد خريطة دقيقة لانتشار المسكيت في الجزيرة (باستخدام صور الأقمار الصناعية والمسح الأرضي)، تُقسم إلى ثلاث فئات:

مناطق إزالة كاملة (قنوات، حواشات، قرى).

مناطق تخفيف وكبح (أطراف المشروع، بعض الأراضي البور).

مناطق منع انتشار (حزام عازل حول المناطق الخالية).

 الإزالة الذكية لا العشوائية

في مناطق الإزالة الكاملة يُفضّل استخدام مزيج من:

اقتلاع جذوع الأشجار الصغيرة بآلات متخصصة أو “أم بحتي” مع متابعة نمو البادرات.

قطع الأشجار الكبيرة من مستوى منخفض جدًّا ومعالجة الكعوب بمبيد موضعي مسجل وتحت إشراف فني، بدلاً من الرش العشوائي.

يمنع الحرق السطحي وحده، لأنه قد يحفز إنبات البذور المتبقية في التربة.

أي حملة شعبية يجب أن تُدار تحت مظلة خطة فنية واضحة، وإلا تحولت إلى مجهود كبير بنتائج محدودة.

الاستفادة الاقتصادية المنضبطة

تحويل الكتلة النباتية المذالة إلى:

فحم نباتي في أفران محسّنة تقلل الانبعاثات.

حطب منظم لتعويض الطلب على الوقود الخشبي بعيداً عن أشجار السنط والهشاب.

قرون مجففة ومطحونة كعلف مخلوط بنِسَب مدروسة مع أعلاف أخرى، مع تجنب التغذية الأحادية على قرون المسكيت لما لها من آثار صحية على الحيوان عند الإفراط.

تشجيع مشروعات صغيرة لصناعة ألواح الخشب المضغوط من المسكيت، وإنتاج العسل من غاباته حيث توجد.

التشجير البديل بعد الإزالة

لا معنى لإزالة المسكيت ثم ترك الأرض مكشوفة؛ سيعود هو أو تأتي أنواع أسوأ.

لذلك من الضروري أن تُقرن الحملة بحملة تشجير واسعة بأشجار:

ظل في القرى والطرقات (نيم، لبخ، وغيرها حسب الملاءمة).

أشجار مثمرة للمنازل والمدارس.

أصناف محلية نافعة في أطراف المشروع (سنط، ، سيال، أو أشجار علفية).

هذا يضمن بقاء الغطاء الشجري، ويحسن صورة الحملة في نظر الناس: “نزيل شجرة غازية ونغرس مكانها شجرة نافعة”.

إشراك المجتمعات المحلية بجدية

المطلوب ليس تجييش الناس ليوم أو أسبوع، بل إنشاء لجان مجتمعية دائمة لإدارة المسكيت في كل وحدة إدارية، تضم المزارعين، ورعاة الماشية، والشباب، والنساء.

تُمنح هذه اللجان دورًا في حراسة المناطق التي أزيل منها المسكيت، وفي تنظيم الاستفادة من الأخشاب والفحم والقرون، مع ربط جزء من العائد بتمويل خدمات محلية (مدرسة، مركز صحي، مياه).

كلما شعر المجتمع أن الشجرة تحت إدارته وليست مفروضة عليه، زاد التزامه بالتحكم في انتشارها.

البحث والتجربة المستمرة

الاستفادة من خبرة هيئة البحوث الزراعية، والهيئة القومية للغابات، والجامعات التي درست المسكيت في السودان، وعدم البدء من الصفر.

تجربة أساليب جديدة مثل:

استغلال الرعي الكثيف المنظم للحد من تجدد الشتول الصغيرة.

تقييم الحملة سنويًا بمؤشرات واضحة: كم مسافة قناة تم تنظيفها؟ كم فدانًا أُزيل منه المسكيت وأُعيد تشجيره؟ ما حجم الأخشاب والفحم المنتج قانونيًا من المسكيت مقارنة بما قبله؟

 رسالتي لصانعي القرار وأهل الجزيرة الكرماء

المسكيت بالفعل سبب معاناة حقيقية في كثير من القرى والمشاريع؛ فلا أحد يقلّل من أضراره على مشروع الجزيرة إذا تُرك دون ضبط. لكن تحويله إلى “عدو يجب استئصاله” يشبه إعلان حرب لا نملك لها عتادًا، وتجارب السودان والدول الأخرى تقول إننا سنخسرها.

الأجدى أن نعتبر المسكيت شجرة غازية خطرة لكنها مفيدة إذا أُحسن تدبيرها،* فنضع له بروتوكول إدارة رشيدة يخفف انتشاره، ويحمي الحواشات والقنوات، ويحوّل كتلة الخشب الحالية إلى مصدر وقود ودخل، مع تعويضه بتشجير منظم بأنواع أكثر تلاؤمًا مع بيئتنا واقتصادنا.

بهذه الطريقة يمكن أن تتحول حملة “محاربة المسكيت” من شعار عاطفي إلى برنامج علمي طويل الأمد، يجعل من ولاية الجزيرة نموذجًا وطنيًا في كيفية التعامل مع الأنواع الغازية: بحزم، ولكن أيضًا بحكمة، وبالتوازن بين حماية البيئة وتحسين سبل عيش الناس.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English