أشجار وفلاسفة: من ليس معنا ضدنا

الفوارق بين الأشجار حقيقة راسخة، وقانون أصيل يحكم الكائنات كما يحكم البشر.والأصول لا تظلم الأشجار ولا الفلاسفة؛ السلوك والظروف هما اللذان يصنعان القدر.

أشجار وفلاسفة: من ليس معنا ضدنا

د.عبدالعظيم ميرغني

• قيل للعقاد: ألا ترى أن الفلسفة تعرض كل من يخوض فيها للشبهات؟

• فرد عملاق الأدب العربي: لو كانت الفلسفة هي السبب الحقيقي للبلاء، لأصاب البلاء الكندي والفارابي كما أصاب ابن سينا وابن رشد جميعاً.

لكن الواقع بيّن أن البلاء لم ينزل إلا بمن جمع بين الفلسفة والنفوذ أو الخصومات السياسية.

• فالكندي كان ميسور الحال، معتزلاً الناس، لا ينازع أحداً في جاه أو سلطان، فتركوه لشأنه.

ولم ينل من الناس إلا التندر ببخله وحكايات عن غرامه، أما الأذى الحقيقي فلم يكن إلا وجع ركبة استعصى علاجه.

• وأما الفارابي، فقد أعرض عن صراعات الأرض ورفع بصره إلى السماوات، وقال شعراً:

وما نحن إلا خطوطٌ وقعنا على نقطة

محيط السماوات أولى بنا

ففيمَ التزاحم في المركز؟

فعاش بينهم وكأنه ليس منهم، يجاور النجوم ويبتعد عن غبار الدنيا، فنجا من شرورهم.

• وعلى النقيض منهما، خاض ابن سينا معارك الأمراء والرؤساء، فذاق السجن والنفي والضيق، وتعلم أن السلامة في أحيان كثيرة تسكن أطراف النسيان.

• أما ابن رشد، قاضي قضاة قرطبة، فقد أثار حسد الفقهاء وسخط الحاشية بعلمه وجرأته، فاتهموه بالشرك وعبادة الكواكب، وألحقوا نسبه ببني إسرائيل، ثم نفوه إلى بلدة أليسانه اليهودية القريبة من قرطبة.

• الدرس جليّ: البلاء من الناس، لا من الفلسفة؛ ومن الخصومات، لا من الدين. فليس الفلاسفة سواء.

• وكذلك هي الأشجار؛ ليست سواء، وتختلف طبائعها كما تختلف أمزجة البشر، فتنسج كلٌ مصيره الخاص.

وتتباين نظرة الناس إليها كما تتباين نظرتهم للفلاسفة.

• ففي السودان تُحمِّل سلطات المياه الدمس السعودي (Conocarpus erectus) مسؤولية أزمات الإمداد، وتوصي باستئصاله ومنع زراعته.

• وسلطات الزراعة تنظر بعين الريبة إلى المسكيت التشيليني (Prosopis chilensis)، متهمةً إياه بتقليص المساحات وخفض الإنتاج، فتنفذ حملات باهظة لإزالته واستئصاله.

• ولو كان الأمر غير ذلك لاستوى في نظر سلطات الزراعة المسكيت التشيليني المشاكس سريع التمدد مع المسكيت الأفريقي (Prosopis africana) المتزن النمو بطيء الانتشار.

• ولتساوى في نظر سلطات المياه الدمس السعودي سطحي الجذور مع الدمس الصومالي (Conocarpus lancifolius) الهادئ عميق الجذور.

• الفوارق بين الأشجار حقيقة راسخة، وقانون أصيل يحكم الكائنات كما يحكم البشر.

• الأصول لا تظلم الأشجار ولا الفلاسفة؛ السلوك والظروف هما اللذان يصنعان القدر.

• بعضهم يزاحم ويهيمن، وبعضهم يعيش متزناً في سلام وانسجام.

• وجذور الأفعال هي التي تصنع التوازن، لا نسب الأشجار ولا أسماء الفلاسفة.

• أصل الحكاية أن الإنسان — من حيث يدري أو لا يدري — يميل للانحياز لما يراه في صالحه، فيحكم بمنطقٍ قديم: من ليس معنا فهو ضدنا.

• ومن هذا الميل جرى الظلم على الفلاسفة كما جرى على الأشجار؛ لا لذنبٍ فيهم، بل لأن الناس نظروا إليهم بعيون مصالحهم لا بعيون الحقيقة.

• وفي كل ذلك يظل القانون واحدًا: تختلف الطبائع كما تختلف المصائر، وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه إدارة الغابات، حيث يجب مراعاة طبائع الأشجار وفهم اختلافها لوضع سياسات توازن بين الحماية والاستغلال المستدام، وضمان الاستمرارية في خدمة الإنسان والطبيعة معاً.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English