غرائب برلمانية في سجلات الغابات!

في عام 1951م، خرج السير الإنجليزي هيو بيفر، الذي أصبح لاحقاً المدير التنفيذي لمؤسسة "جينيس"، في رحلة صيدٍ بالريف الإنجليزي.

غرائب برلمانية في سجلات الغابات!

د.عبدالعظيم ميرغني

• في عام 1951م، خرج السير الإنجليزي هيو بيفر، الذي أصبح لاحقاً المدير التنفيذي لمؤسسة “جينيس”، في رحلة صيدٍ بالريف الإنجليزي.
• خلال الرحلة، دار نقاش بينه وبين رفاقه حول أسرع طائر صيدٍ في أوروبا، فأثار ذلك فضوله وأيقظ فيه فكرة مبتكرة: إصدار كتاب يضم إجابات موثقة عن الأسئلة التي يكثر الجدل حولها دون حسم.
• ومن تلك الفكرة البسيطة ولدت موسوعة جينيس للأرقام القياسية عام 1955م، لتصبح مع مرور الزمن المرجع الأشهر في العالم لتوثيق الإنجازات الفريدة في شتى المجالات.
• وفي ميدان الغابات، سُجل أحد أكثر الأرقام إدهاشاً في الفلبين عام 2014م، حين تمكن 122,168 متطوعاً من غرس نحو 2,294,629 شجرة في تسعةٍ وعشرين موقعاً خلال ساعة واحدة، وهو ما وثقته موسوعة جينيس كأكبر حملة تشجير متزامنة في التاريخ الحديث.
• أما السودان، فلم يُسجل له حتى الآن أية أرقام رسمية في مجالات الغابات أو التشجير ضمن سجلات الموسوعة، غير تسجيل مستنقع السدود عام 2006م – حين كان لا يزال ضمن السودان الموحد – كأكبر مستنقع محمي في العالم بمساحة تُقدر بنحو 57 ألف كيلومتر مربع.
• لكن سجل السودان في جينيس لم يخلُ من مفارقات أخرى، إذ لم تقتصر الإشارات على الطبيعة بل شملت حتى الأزمات البيئية.
• ويُعد نزاع دارفور من أوائل الحروب في العالم التي نُسبت إلى آثار تغيّر المناخ، إذ تداخلت فيها العوامل البيئية مع السياسية والاجتماعية نتيجة لتناقص الموارد الطبيعية وشح المياه والمراعي.
• ورغم إزالة هذا السجل لاحقًا من الموسوعة، لكنه بقي شاهدًا في سجل الوقائع، مهما تبدلت السجلات.
• وفي السجل السوداني، يمكن القول إن ما فعله عضو مجلس الولايات عن ولاية غرب دارفور، عبد الجبار آدم عبد الكريم، يستحق أن يسجل في سجل الغرائب البرلمانية.
• فهو أول نائبٍ في تاريخ البرلمان السوداني، الذي تجاوز عمره نصف قرن حينها، يتقدم بمسألة مستعجلة موضوعها الغابات — مجال ظلّ مغيباً رغم أهميته الحيوية للاقتصاد والمناخ والحياة الريفية.
• ففي الجلسة رقم 14 بتاريخ 3 يناير 2011م، وجه عبد الجبار سؤاله إلى وزير البيئة والغابات، مستفسراً عن تدهور الغابات القومية في بعض المناطق كالردوم وحظيرة الدندر حسبما جاء في سؤاله.
• ورغم غرابة السؤال في بيئة برلمانية يطغى عليها الحديث عن السياسة والخدمات، فقد قوبل بالتقدير لأنه فتح الباب لأول مرة لمناقشة قضية الغابات كقضية قومية عاجلة.
• ولهذا، يستحق عبد الجبار – مجازاً – أن يُرشح لدخول موسوعة جينيس، لا بعدد الأشجار التي غرسها، بل بسؤاله الفريد في تاريخ البرلمان السوداني عن الغابات.
• ولأن الغرائب لا تتوقف عند النصوص، بل تمتد إلى الممارسة، فقد شهدت بنفسي حادثة برلمانية طريفة أكدت أن البرلمان السوداني لم يكن بعيداً عن سجلات الغرابة؛ فمثلما يوثق العالم الأرقام القياسية، شهدت قاعاته مواقف إدارية لا تقل غرابة عن جينيس نفسها.
• ومن هذه المواقف، ما حدث في مطلع 2014م، حينما رافقت الوزير، بصفتي مديراً للغابات، مع بعض قيادات الوزارة لتقديم تقرير الوزارة أمام المجلس الوطني، ولتطاول أمد النقاش، أُجل الأمر إلى اليوم التالي.
• وفي اليوم التالي، استأذنت الوزير في إنابة من يمثلني، إذ كنت يومها في ظرفٍ إنساني طارئ مرتبطٍ بتشييع زميلٍ عزيز من رفقاء الغابات، دكتور عبد اللطيف الطيب محمود، رحمه الله.
• ورغم وجود الوزير — وهو المسؤول دستورياً أمام البرلمان — اعترض رئيس اللجنة الزراعية على تقديم التقرير في غيابي، ثم عاد فاقترح تأجيل الجزء الخاص بالغابات إلى حين حضوري.
• هكذا تحولت واقعة مراعاة بروتوكول غريب إلى طرفة؛ لا لغرابتها فحسب، بل لأنها كشفت حساسية استثنائية تجاه ملف الغابات، حين تُذكر، وإن جاءت في غير موضعها.
• ولو امتد قلم جينيس لتوثيق الطرائف الإدارية النادرة، لكان لهذا الموقف رقمٌ خاص هو الآخر!
• فليست الأرقام وحدها ما تُسجل في دفاتر الذاكرة العامة؛ فالطرائف الإدارية واللمحات الإنسانية في مؤسساتنا لا تقل دلالة عن أعتى الأرقام القياسية، وربما كانت أبلغ أثراً في تذكيرنا بأهمية الغابات وموقعها في الوجدان الوطني.

آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

عبد العظيم ميرغني

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English