التكلفة الحقيقية للسلام: إعادة توازن الإنفاق العسكري العالمي من أجل مستقبل مستدام وسلمي

يشهد العالم سباق تسلّح غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، حيث ارتفع الإنفاق العسكري العالمي إلى 2.7 تريليون دولار في عام 2024،

التكلفة الحقيقية للسلام: إعادة توازن الإنفاق العسكري العالمي من أجل مستقبل مستدام وسلمي

يشهد العالم سباق تسلّح غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، حيث ارتفع الإنفاق العسكري العالمي إلى 2.7 تريليون دولار في عام 2024، بزيادة تفوق 9% عن العام السابق، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. إنها الزيادة العاشرة على التوالي، والأكبر منذ عقود، في وقت يعيش فيه الملايين تحت وطأة الفقر، والنزوح، والجوع.

 

السلام المهدور على مذبح السلاح

لا تأتي هذه الأرقام في فراغ، بل في سياق حروب وصراعات تُرهق البشرية. فالحرب في أوكرانيا استنزفت مئات المليارات من ميزانيات الدفاع الأوروبية وزادت من هشاشة الاقتصاد العالمي. أما الحرب الدائرة في غزة منذ عام 2023، فقد أوقعت خسائر بشرية هائلة ودمارًا واسعًا للبنية التحتية، ودفعت مئات الآلاف نحو النزوح. في السودان، تسبب الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع في انهيار الخدمات الأساسية، فيما يستمر نزيف التنمية في اليمن والكونغو الديمقراطية بسبب النزاعات الممتدة.

هذه الصراعات، إلى جانب توترات إقليمية أخرى، دفعت الحكومات إلى زيادة غير مسبوقة في موازنات الدفاع. لكن السؤال الذي يطرحه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقريره الجديد “الأمن الذي نحتاجه: إعادة توازن الإنفاق العسكري من أجل مستقبل مستدام وسلمي” هو: هل يجلب هذا الإنفاق الأمن حقًا؟

 

تكلفة التنمية المستدامة مقابل سباق التسلح

يحذر تقرير غوتيريش من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يرفع الإنفاق العسكري العالمي إلى ما بين 4.7 و6.6 تريليون دولار بحلول عام 2035. هذا المسار يُهدّد بشكل مباشر أهداف التنمية المستدامة (SDGs) التي وضعتها الأمم المتحدة، والتي تسعى إلى إنهاء الفقر والجوع، وتحقيق التعليم والصحة للجميع، وتعزيز المساواة.

الأرقام صادمة:

في عام 2023، بلغت تكلفة العنف المرتبط بالأسلحة الصغيرة 22.6 مليار دولار، وهو رقم يفوق المساعدات الإنمائية الرسمية للتعليم (14.4 مليار) والرعاية الصحية (21.8 مليار) مجتمعة في البلدان النامية.

المساعدات الإنمائية الرسمية العالمية بلغت 223 مليار دولار فقط، أي أقل من 10% من الإنفاق العسكري.

عمليات حفظ السلام الـ11 التابعة للأمم المتحدة تحتاج إلى 5.59 مليار دولار سنويًا، وهو أقل من 1% مما يُنفق على الجيوش.

أمن الإنسان أولًا

تُظهر المفارقات بوضوح أن الأمن الحقيقي لا يُشترى بالدبابات والمقاتلات، بل بالاستثمار في الناس. فتكلفة دبابة واحدة يمكن أن تموّل علاج الملاريا لـ 26,000 شخص. وسعر طائرة مقاتلة شبح قادر على تمويل عام دراسي كامل لـ 200,000 طفل. أما تكلفة حاملة طائرات واحدة فتستطيع إعادة تشجير منطقة بثلاثة أضعاف مساحة كوستاريكا.

يُذكّر تقرير الأمم المتحدة  DOC-20250914-WA0025. بأن الأمن لا يتحقق عبر عسكرة العالم، بل عبر نهج إنساني متعدد الأبعاد، يُعطي الأولوية للدبلوماسية، التنمية، التعاون الدولي، ونزع السلاح.

الطريق إلى الأمام

الإنفاق العسكري المتصاعد لا يُوفر أمنًا، بل يغذي سباقات تسلح ويُعمّق انعدام الثقة بين الدول، بينما يُترك ملايين البشر في مواجهة الجوع، الفقر، والأوبئة دون دعم كافٍ.

العالم، كما يصفه التقرير، مدجج بالسلاح لكن السلام يعاني من نقص التمويل. أمام البشرية خيار واضح: إما الاستمرار في ضخ تريليونات الدولارات في صناعة الحرب، أو إعادة توجيه ولو جزء يسير من هذه الموارد لبناء سلام مستدام، يعالج جذور العنف والصراع، ويُؤمّن

مستقبلًا آمنًا للأجيال القادمة.

التقرير مصور :

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English