من بريد النازحين..ضل الانسانية
عبدالله محمد مصطفى كروم

الشمس تشرق من جديد في إحدي عينات الخريف بعد غمام اسبوع بالجزيرة .والمعروف عندنا في السودان الخريف ينقسم الى(10) عين( بكسر حرف العين) وكل عين (١٣)يوماً يبدأ بنزول الثريا وينتهي بعينة السماك..
وفي موسمه مدن تحيا بالمطر واخرى تموت .
هو الخريف الثاني بالنسبة لي نازحا رهينة لبناتي الثلاثة وامهم حتى نهاية العام الدراسي..نعيش على امل إنتهاء الحرب بسلام دائم وإنتهاء العام الدراسي بنجاح باهر..
ادير ضمانات حياتي في رقعة صغيرة تفصل بين حي اركويت وعووضة تمر بها مواصلات السوق الكبير..هي محطة الانسانية والذي يعود اسمها حسب الروايات للثمانينيات ولانها تقع بين محطتان رئيسيتان كان الركاب يتوددون للسائق بقولهم( من ذوقك وانسانيتك نزلنا هنا) والمواصلات قليلة في تلك الفترة والركاب مألوفين وبالتكرار صارت العبارة تأتي من السائقين مرة بضحكة ومرة بسخرية..لكنها كتبت في محل لبيع عيش الفيتريته بخط عريض ( دكان الانسانية) وصارت محطة رئيسية بهذا الاسم لراحة الجميع والحاحهم الدائم ..هكذا حسب ما روى البعض..
الان بها مسجد صغير واربعة دكاكين..فرم..عيادة وصيدلية..مطعم وكافتريا..مركز لبيع الغاز ومغلق بجانب ورشة صغيرة لصيانة الركشات وعدد من الطبالي الصغيرة..وحلواني للباسطة.
صباحا العابرون بها اكثرهم طلاب وموظفون في انتظار المواصلات والتراحيل..بعد صلاة العصر يتجمع في ظلالها المتفرقة بعض كبار السن والعائدون من اعمالهم مجهدون.. روادها الدائمون ثلاثة من ذوي الاحتياجات الخاصة احدهم يحب الترحاب بالاخرين صديق للكل بطبع طفولي وبرئ والثاني شاب دائم الصمت والتدخين يوحي لك كأنه في انتظار قادم و متعاون مع كل الناس حتي في مناسباتهم الاجتماعية ويمكن ان يلبي لك اي تكليف .. والاخرى سمراء جميلة في ملامحها ..لها قدرة على المشي الدائم .. وتحكي عن مواقف لشخصيات في خيالها جهرا وباحتراق كأنها تبرئ نفسها منهم بشهادة الماره. وفي هدوئها طروبة تدندن بالحان نمطية..
الثلاثة يتعامل الناس معهم بتفاعل يعزز من انتمائهم بشمول اسري ويشعرهم بالانتماء .. وبان لهم قيمة بين الاخرين.ثلاثتهم يعرفون اسماء بعضهم البعض وقد تجمعهم دعوة شاي صباحي او قهوة ظهيرة من اصحاب المحلات مما خلق الاحترام المتبادل بينهم والاخرين.
مساء تشتعل فيها نيران الشواء والشيشة والشاي.جميعهم يقومون بنظافة ساحاتهم استعدادا للزبائن..حراك بيئي ينعش فتوري…
انا ازامن كل هذه المواقيت واتوسط هذه المحال في ناصيتي للثلج البلور..ابيع ماء في شكل الواح مثلجة لاشتري بها برميل ماء سائل وبعض التزاماتي المعيشية ..متجاوزا لجمودي بنشاط فاعلي.
المحطات الصغيرة دوما مليئة ومرتبطة بقلق الترقب والتوتر بشأن المواعيد.. ولانها نقطة تلاقي لتفاعل اجتماعي في ملماتها.. تتلاشى فيها هذه المشاعر.. اغلبهم اقرباء لبعضهم..وانا لا احس بغربتي معهم.ومع ذلك مشاعر الغد المجهول تؤرقني…دوما احس بانني نازح والاحساس بالنزوح واللجؤ حسب اعتقادي واحد عند كل النازحين كاحساسك بأعراض الملاريا او اي مرض اخر ..مهما اختلفت الامكنة بمعطياتها.
برغم مساراتي المطمئنة وصكوك الانتماء ..دوما لدي انفاس محمومة.. وتلازمني غربتي. الان في تواصل وغدا هموم الرحيل.
ردا للجميل لهذه البقعة فكرت في غرس شتلة جوار ( مظلتي وقف) ليكون حجم الظل مكون من مظلتين وشجرة..قد لا تتساوى مساحة الظلال ولكن يتساوى ثوابهم.
تزامن غرسها مواكبا لعيد الشجرة..هذه الفكرة الخالدة التي تبنتها الغابات من المرحوم الصحفي الفاتح النور بكردفان في العام 1963 وعممتها لكل المدن والارياف والقرى بأن يكون شهر اغسطس من كل عام عيدا للشجرة تتم فيه حملات تشجير مع المجتمعات من اجل سودان اكثر اخضرارا.
زرعتها ومعي اخرون لتكون بصمة خضراء في مسامات ارض هذه المحطة وفاء وذكرى..والوقت خريف.
نحن اخوان في الانسانية
اغسطس 2025
ودمدني


