إنما العجز من لا يستبد

د.عبدالعظيم ميرغني
في عهد وزير الزراعة والغابات الدكتور الحاج آدم يوسف، أعلنت وزارة المالية بقيادة المرحوم الزبير محمد الحسن عن نيتها التوقف عن تمويل زراعة القطن في المشاريع القومية.
• لم يكن قد مضى على تعيين الوزير الدكتور الحاج سوى أشهر معدودات، لكنه لم يتوانَ عن تصعيد الأزمة وانتهاج سياسة “حافة الهاوية”، فأعلن من جهته أن وزارته لن تزرع القطن إطلاقًا في ذلك الموسم.
• كان ذلك الإعلان كالقادح، فقامت قيامة المزارعين، واحتجت وزارة الصناعة التي تعتمد على القطن كمادة خام، واشتعلت وسائل الإعلام في تسعير نيران الأزمة.
• لم تهدأ العاصفة إلا بعقد مجلس الوزراء لاجتماع طارئ، خرج فيه القرار النهائي لصالح الزراعة. وداخل قاعة المجلس، دوى التهليل والتكبير من العاملين بوزارة الزراعة، وفي مقدمتهم المرحوم أحمد البدوي، احتفاءً بانتصار الإرادة الزراعية على قبضة المال.
• بالأمس القريب، حين وُجهت الاتهامات لوزارة المالية بالامتناع عن تقديم أي تمويل لمشروع الجزيرة، رغم المطالبات المتكررة والزيارات العديدة التي قام بها وزير المالية جبريل إبراهيم، سرت أنباء عن أن الوزير برّر موقفه بسياسة الحكومة الرامية إلى الخروج من دعم المشروع.
• هذا الموقف فجّر موجة من التوتر السياسي بين المزارعين ووزير المالية، إذ اعتبر المزارعون أن الوزير يهمّش دورهم، ويتجه نحو تحويل المشروع إلى هيئة، في خطوة تُغيب أصحاب المصلحة الحقيقيين.
• وازدادت الأزمة اشتعالاً حين أصدرت لجان المقاومة في ود مدني بيانًا حذرت فيه مما وصفته بـ”التوغل السافر” لحركة العدل والمساواة التي يرأسها الوزير.
• ولم تهدأ الأزمة إلا بعد أن خرج الوزير بتصريحات ينفي فيها عزمه التخلي عن المشروع، واصفًا ما يُشاع في هذا الشأن بأنه “مبالغة ومغالطة”.
• ما يدفعني لكتابة هذا المقال، هو ما ينتاب الذهن من قلق عميق تجاه التشكيل الوزاري الجديد، الذي جمع بين الزراعة والري واستبعد الغابات عن الزراعة.
• هذا التشكيل يعطي انطباعًا مقلقًا بأن مفهوم الزراعة في ذهن رئيس الوزراء لا يتجاوز زراعة “الإنقاية” و”التقنت” و”أبو ستة وعشرين” فقط لا غير— تلك الزراعة التي تنحصر في المواسم والمعدلات، لا في الاستراتيجيات والبُنى التحتية والموارد المتكاملة.
• إنها رؤية تعيدنا إلى مربع التفكير القصير المدى، حيث الزراعة مجرد نشاط موسمي، لا منظومة حياة واقتصاد وبيئة.
• ومن هذا الفهم القاصر تنبع السياسات التي تقصي الغابات، وتهمّش المشاريع القومية، وتختزل المزارع في جوال قمح أو فدان قطن، بدلاً من أن ترى فيه شريكًا في السيادة والقرار.
• غير أن أكثر ما يثير الحيرة ـ بل الأسى ـ أن لا أحد يتحدث عن الزراعة التقليدية أو الغابات، أو يتوقف لحظة عند الشجرة التي تنتج الصمغ العربي، وكأنها شيء بلا روح ولا حق في الميزانية.
• تذكَر الغابات فقط عندما يذكر الصمغ العربي وعن عائدات صادره بالعملات الحرة، لكن لا أحد يسأل: من الذي ينتجه؟ بأي وسائل؟ وفي أي بيئة؟ لا أحد يلتفت إلى الشجرة نفسها، شجرة الهشاب، التي تكابد البقاء في صمت، على هامش السياسات.
ليت هندًا أنجزتنا ما تعد … وشفت أنفسنا مما نجد
• هكذا حال أهل الغابات ومنتجي الصمغ العربي؛ وعود تتراكم، ومعاناة تتكرر:
واستبدّت مرةً واحدةً … إنما العاجز من لا يستبد
• ما يروى في هذا البيت أنه كان شرارة القرار في نفس الخليفة هارون الرشيد يوم نكب البرامكة؛ فهل نملك نحن جرأة الاستبداد — لا في الانتقام، بل في الإنصاف، كما ملكها من أنصفوا قبلنا؟
آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.
عبد العظيم ميرغني


