حين تكسر الغابة قاعدة الكيكة

• "لا يمكنك أن تأكل الكيكة وتحتفظ بها في نفس الوقت." • بالصيغة الإنجليزية الأصلية: "You can't have your cake and eat it too". • معنى المثل كما هو واضح أنه إذا ما أكلت الكيكة، فإنها لم تعد موجودة لتحتفظ بها، وإذا احتفظت بها، فلا يمكنك أكلها د.عبدالعظيم ميرغني

حين تكسر الغابة قاعدة الكيك

 

د.عبدالعظيم ميرغني

• “لا يمكنك أن تأكل الكيكة وتحتفظ بها في نفس الوقت.”
• بالصيغة الإنجليزية الأصلية: “You can’t have your cake and eat it too”.
• معنى المثل كما هو واضح أنه إذا ما أكلت الكيكة، فإنها لم تعد موجودة لتحتفظ بها، وإذا احتفظت بها، فلا يمكنك أكلها.
• يستخدم هذا المثل كثيراً في السياقات التي تتطلب الاختيار بين متضادين، وللدلالة على أمور الحياة التي لا يمكن الجمع بينها.
• الاقتصاديون وصانعو السياسات يستشهدون به في مناقشة القرارات التي تتعلق بالتوازن بين خفض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي مثلاً، إنه لا يمكنك أن تطالب بخفض الضرائب وزيادة الخدمات العامة في نفس الوقت. فلابد من التضحية بأحدهما.
• خبراء العلاقات الدولية والسياسة يستشهدون به عند تحليل مواقف الدول التي تحاول التوفيق بين مواقف متناقضة، كادعاء الحياد والتحالف العسكري في الوقت ذاته.
• المديرون ورواد الأعمال عند مواجهة شريكً يريد الاستفادة القصوى من مشروع دون تقديم تنازلات، فلا يمكنه مثلاً أن يتحكم بالكامل في المشروع ويطالب بتقاسم الأرباح بالتساوي.
• الفلاسفة والمفكرون عند مناقشة التناقضات الأخلاقية أو الفلسفية كمحاولة الجمع بين الحرية الفردية والنظام العام.
• الإعلاميون وكتاب الأعمدة النقدية والتحليلية، عند تسليط الضوء على التناقضات في المواقف الرسمية أو العامة.
• عامة الناس يستخدمونه في علاقاتهم العاطفية أو تعاملاتهم الحياتية اليومية العادية الأخرى، إذ لا يمكن لأحدهم أن يطال بلح الشام وعنب اليمن في ذات الوقت.
• هذا المثل: “لا يمكنك أن تأكل الكيكة وتحتفظ بها في نفس الوقت”، وإن كان يناسب أغلب السياقات، إلا أنه في حالة الغابات لا ينطبق تمامًا، إذ يبدو أن من الممكن الأكل من الكيكة والاحتفاظ بها في نفس الوقت.
• مثال، أي غابة حضرية – غابة السنط مثلاً. فهي في عز الصيف، حين تسجل الأحياء السكنية درجة حرارة 36° مئوية، تسجّل الغابة 30.5° فقط.
• هذا الفارق البالغ 5.5° وفق معادلة البنك الدولي، كل درجة انخفاض توفّر 5% من استهلاك الطاقة. ترجمة مباشرة إلى تخفيف الضغط على التبريد الكهربائي. فأي أسرة فاتورتها الصيفية 10,000 جنيه/شهر، ستوفر نحو 2,750 جنيه شهريًا.
• ومع استمرار الصيف 3 أشهر، يكون التوفير 8,250 جنيهًا للأسرة. وإذا استفادت ألف أسرة من مظلة الغابة، فالربح الصافي يعادل أكثر من 8 ملايين جنيه سوداني في موسم واحد. كل ذلك دون أن تتأثر الغابة.
• الغابات لا تلطف الجو فقط، بل تخفّف الضوضاء أيضًا. تشير القياسات إلى أن مستوى الصوت على طريق رئيسي بعيد عن الغابة يبلغ 75 ديسيبل، بينما ينخفض خلف الغابة إلى 60 فقط. هذا الفرق – 15 ديسيبل – يعني أن الطاقة الصوتية تنخفض بأكثر من 95٪ (حسب التضرييات الفيزيائية)، ويشعر الإنسان وكأن الضجيج قد انخفض إلى النصف تقريبًا.
• دراسات سوق العقارات الأوروبية تقدّر أن كل 1 ديسيبل انخفاض في الصوت في منطقة سكنية يرفع قيمة العقار بنسبة 0.4%. وبالتالي، فإن العقار البالغ 5 ملايين جنيه، تزداد قيمته بنحو 300,000 جنيها، 6%، بفضل الغابة، دون أن تتأثر بما أكل منها.
• وبينما تصدر محطات ضخ المياه ضجيجًا لا يهدأ، وتستنزف الجهد في صيانة لا تنتهي، تواصل الغابات – كغابة العين قرب الأبيض – أداءها الصامت، في استقرار إمداد المياه في المدينة.
• وهي ذات الحكمة التي استلهمتها نيويورك حين آثرت استثمار 1.5 مليار دولار لحماية غاباتها التي تستمد منها المياه، بدلاً من إقامة محطة تنقية بتكلفة نبلغ 8 مليارات دولار.
• ولم تكن نيويورك استثناءً، فقد سبقتها أو لحقت بها مدن كبرى حول العالم، مثل ملبورن في أستراليا وبوغوتا في كولومبيا، حيث أثبتت التجربة أن الغابة لا تحتاج إلى خرسانة كي تكون بنية تحتية، بل تكفيها جذورها لتحل محل أكثر المنشآت الصناعية كلفةً وتعقيدًا في تأمين المياه.
• من خلال حماية الغابات بهدف تأمين مياهٍ نقية وبكلفة أقل من إنشاء البنى التحتية الصناعية، تم دمج الغابات ضمن الخطط المائية لتلك المدن العالمية الكبرى.
• تجاربنا المحلية في السودان، أثبتت أن الغابات يمكن أن تساهم في تغذية المدن بالمياه، وتخفيض الحرارة والضوضاء، وأن “أكل الكيكة والاحتفاظ بها” ممكن حين نحسن إدارتها كبنية تحتية.
• لكن هذه التجارب ظلت محصورة في الإطار الإداري، ولم تترجم إلى سياسة وطنية شاملة، ولم تنل الاعتراف الرسمي بدورها في خطط المياه والتنمية الحضرية، على غرار ما فعلته نيويورك وملبورن وبوغوتا.
• وهذا ما يجعلنا نعيد النظر في مفهوم الغابة ذات نفسهه. فغابة السنط، على سبيل المثال، لا تقاس بعدد أشجارها، بل بقيمتها المتراكمة: هواء نقي، هدوء نفسي، مياه مستقرة، وارتفاع في القيمة العقارية. إنها تثبت أن الغابات ليست ترفًا بيئيًا، بل بنية تحتية ناعمة وفعّالة، تخدم المدن باستمرار، دون حاجة لطاقة أو صيانة.
• لقد آن الأوان للاعتراف بالغابات كبنية تحتية وطنية لا تقل شأنًا عن الطرق والسدود وشبكات المياه.
• المطلوب هو إدماجها رسميًا في خطط المياه والتنمية الحضرية، وإدراجها ضمن موازنات البنى التحتية، تمامًا كما فعلت مدن عالمية أدركت قيمة الاستثمار في الطبيعة.
• فالكيكة هنا لا تنقص كلما أكلنا منها؛ بل تنمو وتغذي من حولها.
آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

عبد العظيم ميرغني

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English